أستضيف هنا ما كتب عن رواية الصديق الكاتب والروائي الكبير جمال ناجي ، وذلك لأهمية روايته ( ليلة الريش ) ، فهي رواية بحق تستحق أن تكون رواية العصر ليس لأنها تتحدث عن المال والثراء ، ولكن لأن هذا العصر هو المسيطر الآن ، وأعتقد أن هذه الرواية لو تم حشوها بقصص الشذوذ الجنسي لنالت من الشهرة أكثر من رواية عمارة يعقوبيان ، ولكنها أي رواية ( ليلة الريش ) رواية راقية بكل معنى الكلمة : من حيث اللغة ومن حيث المضمون ناهيك عن اسلوب كتابتها أيضا ، وهي مكتوبة بلغة الروايات الرفيعة المستوى لا بلغة الخمارات وغرف الرذيلة الخلفية ، بعكس رواية عمارة يعقوبيان فرغم انها تتناول عالم المال والفساد الا ان تركيزها انصب على الشذوذ وبخاصة ما بين الرجل والرجل وهو ما جعلها قبلة الباحثين عن الشهرة والغنى السهل السريع تماما مثل ابطال الرواية نفسها ، فالذين قاموا بالترويج للرواية وعمل فلم عنها هم امتداد لشخصيات الرواية نفسها الذين كانوا يتحدثون بلغة واحدة ، اللغة التي دلت على أن الانسان من السهولة أن ينساق الى الهاوية تحت ضغوط الحياة ، وتظهر الرواية أيضا الجانب البشع من البوليس المصري ليس بقصد فضح اساليبه ولكن بقصد تخويف المصريين من مغبة الدخول في المعارضة وبخاصة الاسلامية منها .
أما رواية ليلة الريش فهي للانسان والحياة ، ولذلك لا بد للغتها أن تكون راقية وشفافة ، وكان بامكان الرواية أن تتسع لشذوذ رجال المال ، لكن لا مجال عند الروائي جمال ناجي الا للأدب الراقي ، وليلة الريش لو يلتفت اليها منتجو الافلام لأخرجوا منها فيلما عظيما يكون موضع حديث الأجيال
جمال ناجي يقتحم عالم البنوك والصيرفة كمكان خصب للرواية والسرد
خليل قنديل
تكمن قدرة الراوي عادة في ملكته الخاصة باجتراح أمكنة جديدة لم تطرق بعد، وفي الشخوص الذين يمكن تخليقهم من معطى هذه الأمكنة، وفي تداعيات اشتباكات العلاقة ما بين هؤلاء الشخوص والأمكنة المستحدثة حبرياً في سرد الراوي. التي يقودها سارد النص بعينه الثاقبة والحافرة نحو الورق والقراءة. كي تعاود إنتاج ذاتها وشخوصها من جديد، في القراءة، وفي الأثر الذي يمكن أن تتركه هذه القراءة عند القارئ.
الروائي الأردني جمال ناجي امتلك قدرته الخاصة في مقارعة الامكنة النيئة والطازجة، واقتيادها نحو حبره وكتابته في أكثر من رواية، حيث نلحظ هذا الكد عند ناجي في منتجه الروائي الأول "الطريق إلى بالحارث" 1982الذي امسك من خلالها بمنطقة بالحارث النائية في اطراف الجزيرة العربية وشجر من خلال هذا المكان الذي عانى من صحراويته العديد من الأحداث الجارحة في شخصية المعلم بطل الرواية.
أما في روايته الثانية "وقت" 1985، فقد امسك ناجي بالذات الفلسطينية التي تقترح مكانها الموجع من خلال التهجير القسري الذي عاشته هذه الذات مثلما امسك بالتداعيات الموجعة في المكان المقترح "المخيم".
وفي روايته الثالثة "مخلفات الزوابع الأخيرة"، ينحت ناجي مكاناً طازجاً على اطراف المدينة، هي عمّان، ويتتبع ناجي هذا المكان، عبر أكثر من حقبة زمنية يصوغ خلالها ويشيد المكان وشخوصه من جديد.
أما في "الحياة على ذمة الموت" 1993فيذهب ناجي نحو اختراق الهزة الاقتصادية التي اصابت الاقتصاد الأردني، خلال الثمانينات وشخوص وأساطين هذا الارتباط المائي، الذي تمثل في شخصية "الضبع".
لكن اللافت حقاً في تجربة ناجي الروائية بمجملها هو اقدامه مؤخراً على إنجاز روايته التي صدرت حديثاً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر والموسومة بـ "ليلة الريش" التي اكدت ما اشرنا إليه سلفاً عن "جمال ناجي" من حيث قدرته على اجتراح امكنته الجديدة، وشخوصه الجدد، الذين يؤكدون شرطية حضورهم واختلافهم مع اختلاف المكان ذاته.
إن جمال ناجي يذهب في "ليلة الريش" إلى فعل جديد، وأمكنة جديدة، ومناخات يمكن الجزم بأن الرواية الأردنية بمجمل تاريخها وربما العربية أيضاً، وهي عالم البنوك والصيرفة كمكان للرواية والسرد، لم تتطرق لها، ولم تغامر باقتحام سراديبها وتعرجات تكوينها، وربما من هنا تأتي خطورة الكتابة الروائية من هذا المناخ. والمغامرة ضمن هذا الطرح تأتي في مكنة صناعة رواية مغمسة بجفاف الاقتصاد وارقامه العدوانية الجارحة.
إذ إن التحدي الذي واجهه "ناجي" في "ليلة الريش" يكمن في قدرته على كتابة رواية الاقتصاد القادرة على كشط كل سماكات الجفاف التي يولدها الفعل الاقتصادي القائم على ترقيم الإنسان وفعله وحركته واعتقاله في مساحة الربح والخسارة والنفاذ إلى الشخصيات التي تصنع هذه الجلافة الرقمية للمكان "البنك" ومن ثمَّ انسنتهم، وقد استطاع ناجي أن يؤنسن الاقتصاد كي يصبح مقروءاً ويمكن أن يخضع لسلطة الإبداع الروائي، وقدرة هذا الإبداع على ترويض المكان وشخوصه. وفي الدخول إلى المناخات التشيدية للنص نلحظ أن لا انفصام على الإطلاق ما بين المكان والشخوص في ليلة الريش.
حيث نلحظ ومنذ المطلع الأول للرواية حضور "عامر الحاوي" موظف البنك الذي يقود انقلاباً نقابياً لموظفي البنك، طوال الزمن الممتد داخل الرواية وهو يدخل كحالة مؤنسنة إزاء مبنى البنك الصلد بزجاجه وواجهته، ذات القواطع الرخامية: "لو وقفت على شرفة بيت (عامر الحاوي) ونظرت غرباً، لرأيت جسماً هائلاً ناهضاً من الأرض باستقامة وقسوة ولرأيت أن الأجسام الأخرى القريبة اصغر من أن تلتحق به أو تشبهه. لن ترى أكبر من البناية الذهبية حين تنظر من تلك الشرفة نحو الغرب، ومهما كانت الأجسام والأشجار والعمارات التي تعترض مجال رؤيتك فإن جزءاً من البناية سيبدو أمام ناظريك، معلناً الوجود الصلد لذلك الجسم الهائل. ص (5).
منذ الصفحة الأولى يدخلنا ناجي في مكانه الهائل والصلد "البنك" يدخلنا ببراعة من احتمال وقوف القارئ على شرفة بيت "عامر الحاوي" الشاب السارد الخفي للنص، والمقاوم لهيمنة المصارف ولقدرتها على امتصاص دم العاملين فيها من خلال تحويلهم إلى ما يشبه الأرقام.
"هكذا علمهم البنك، هكذا طالبهم، عبر دورات العلاقات والتسويق التي تعقدها دوائر التدريب، تلك الدورات التي يحرص المحاضرون في بدايتها على قيافة الموظف، وحسن هندامه، وابتسامته الهادئة التي لا يجوز أن تبلغ حدود الضحك، ثم ضرورة ضبط اعصابه، والحديث بصوت منخفض لكنه مسموع وامتداح الآخرين بغرض كسبهم" ص20.
إن البنك "كمكان اصيل في ضخ خصوبة الشخوص، وتألقهم السردي في "ليلة الريش" يبدو كالديناصور الذي يمتص ويهضم، لا بل يصهرج كافة الشخوص.
كان البنك يمتلك سره المؤسسي الخاص، الذي يمنحه قوة دفع واستمرار غامضة لا يعيقها خروج الأفراد أو فصلهم، كان اشبه بمركبة هائلة، تسير مئات بل آلاف العجلات التي تتجدد من تلقاء ذاتها حتى لو اصاب بعضها العطب" ص
37.لكن هل تقبل الشخوص هذا الابتلاع، أو هذه المصادر؟
بالطبع لا، إذ نحلظ أن "عامر الحاوي" وهو أحد الشخوص الرئيسية في الرواية، يقود انقلاباً نقابياً من زملائه الموظفين في البنك، برغم هشاشة الرومانسية في علاقته مع "واحة"، لكن وإن كان يقبل الانكسارات الهامشية لمسار حياته الذاتية، إلا أنه يشكل حالة نقابية صلبة إزاء مصادرة نهج "البنك" لحقوقه ولحقوق باقي الموظفين، إلى درجة الاقتراب من نجاح هذا الانقلاب، وفتح باب المفاوضات مع إدارة البنك، وتحقيق العديد من المطالب.
لكن ما يقابل كل هذا هو رأس البنك وعقله المدبر "الحاج" الذي استطاع ناجي، أن يقدمه للقارئ، بطريقة لا تخلو من قسوة الكشف والتعرية، ففي الوقت الذي يقدم لنا فيه الحاج كسلطة تامة وماحقة لكل من يخالفها، أو لكل من يعتقد أنه يمكن أن يؤثر على البنك وحضوره في عالم الاقتصاد ورأس المال، فإنه من جانب آخر يكشف عن الحمق الكامن في شخصية الديكتاتور وحاجة هذه الشخصية لممارسة جوانبها الإنسانية سواء مع الزوجة أو الابن رجب أو مع الحبيبة "كلاوديا" التي تظل تستنهض روحه نحوها.
لكن الجسد الذي يقاد نحو كهولته الغامضة، يتفتق عن خرق خاص إلى الدرجة التي يضطر فيها إلى ابتكار أو اختلاق شخصية المرأة البصارة التي تقرأ له حظه.
لكن هل يكتفي الرجل الذي يوازي البنك في صلادته وقسوة أرقامه وأرباحه بهذا؟ إن الإجابة التي يقودنا اليها ناجي حول شخصية الحاج وتداعي كهولتها تتمثل في حالة تشير إلى أن صاحب رأس المال حين يفقد قدراته الجسدية المتناقصة أمام قدرته المالية، يقوم بقتل كل شيء، حتى إطلاق النار على الطيور وأشجار السرو. أي الاعتداء على الطبيعة الأم: "كان المساء مبلولاً برذاذ شتاء متسخ، بينما تختبئ الطيور في اعشاشها بطمأنينة متوارثة، وفي لحظة خارجة عن توازنه الذي عرفته المدينة بأكملها، اطلق نيران رشاشه، لأول مرة في حياته نحو تلك الاعشاش - التي قذفت الأبدان النازفة لصغار البوم وكبارها، ثم الحقتها بالريش المدمى، وكتل القش المبلل بالماء والدماء، في حين انهال غصن غليظ قرب رأسه، فتفاداه غير عابئ بشيء" ص265.
ويستمر الحاج بقصف مهاجع اليوم إلى أن يقول: "لا داعي للشؤم، لا داعي لبقاء الأشياء مثلما كانت قبل خمسين عاماً، من الآن وصاعداً لا اريد رؤية هذا السرو الذي يؤوي الخراب ويحجب شمس النهار عني" ص265.
إنها ليلة الريش، وليلة قتل طائر البوم، الذي يعشعش وصغاره في سرو حديقة القصر، وهي الليلة التي يدرك فيها مؤسس البنك، أن الخيبة والشقاء إنما يكمنان أصلاً في الجسد الإنساني الذي لا يمكن أن يمتلك ديمومة المال، هذه الديمومة التي تنتج ابنها الخاص، "رجب" ابن الحاج الذي يبدو بعقليته الاقتصادية المتفتحة على العالم أكثر شخصوص الرواية ربحاً، وهو الذي تسلم التقرير النهائي عن عامر الحاوي وجماعته وضحك متسائلاً إن كان ثمة بقايا لمخلوقات رومانسية في زمننا الحاضر. وفي الحديث عن رجب نقرأ: "كان أكثر تحفزاً على وشك الوثب، وما كان دعمه الخفي للهيئة إلا جزءاً من خطة مركبة تجاوزت أفكار ابيه وسواه ممن استغرب أن تكون لأذهانهم حدود متكاسلة عاجزة، عاجزة عن شق المسارب المفضية إلى ورشة العالم الجديد. ففي حين انشغل الحاج وادارته عن قضايا الموظفين والديون المتعثرة ومؤامرات المتنفذين، وفي حين انتظرت البنوك الأخرى بتحريض، ما ستسفر عنه معركة البنك مع تلك الهيئة ومن وراءها، فقد كان يخطط لما هو ابعد من تلك التخوم المحلية المقيمة في ذهن الحاج، وكل صانعي القرار في تلك البنوك النزقة أو المترهلة.
إنه رجب الذي استطاع المطالبة النقابية بالتعويضات. واغراء العديد من موظفي الحمولة الزائدة في البنك على الاستقالة. وهو أيضاً "رجب" الذي استدل على "واحة"، التي احتل وجدانها بأمواله وهداياه، دون أن يتزوجها.
"واحة" خندق الحب الأخير لعامر الحاوي.
إنه الرابح الوحيد "فرخ" رأس المال الذي اكتسى بريش صغار طير البوم المبللة بالدم، كي يعيد سرد الحكاية من جديد، حكاية البنوك، وقسوتها الباردة، في إدخال الإنسان وترقيمه داخل أجهزة الكمبيوتر، وفي الالتماعة المرتعشة لشاشاتها.
إنه الرابح الذي شكل خسارة عامر الحاوي الذي اعتقد أنه بامكانيته المتواصفة في القدرة على سرد الحادثة حبرياً قد ربح ولم يدان "رجب" هو الذي سيعيد صياغة الناس وحياتهم من جديد بقسوة إجرائية بينة وواضحة.. لا تشبه الكتابة على الإطلاق. وإنما تصنعها، وليس بمثل ما فعل جمال ناجي بالضبط!.
الموقف الادبي اذار 2005
ليلة الريش) رواية جمال ناجي مساهمة نوعيةفي الرواية الأردنية ـــ د.سليمان الأزرعي ـ الأردن
أنجز الروائي جمال ناجي عدداً من الروايات والأعمال القصصية التي تابعتها جميعاً. وبدأها في (الطريق إلى بلحارث) عام 1982، التي لخص فيها معاناة موفد شاب إلى المملكة العربية السعودية، حيث واجه هناك شتى صنوف المعاناة، ليس بسبب الغربة وحسب، وإنما أيضاً بسبب تحدي التكوين الاجتماعي والثقافي للمحيط الجديد، الذي وقف وجهاً لوجه أمام النموذج البشري الوافد على هذا التكوين، والذي جاء إليه حاملاً معه منظومته الخاصة، ومفردات إنسانيته التي راحت تتداعى مفردةً تلو أخرى بسبب الهجوم الطاغي للتشكيل الاجتماعي الجد
المزيد