المعلمة" مجموعة قصصية ل"صالح القاسم"

أيلول 3rd, 2008 كتبها صالح القاسم نشر في , نقد

المعلمة” مجموعة قصصية ل”صالح القاسم

نقلا عن اخباريات http://www.ekhbaryat.net

23-8-2008

 

بقلم : عبد الرحمن القاسم

 

 ”المعلمةعنوان لمجموعة قصصية صدرت حديثا للقاص والأديب صالح القاسم وفيها امتداد لحديث ، وهم بدأه الأديب في مجموعته القصصيةبابا والبطيخوالتي صدرت قبل عدة سنوات ولكنها عبرت عن تراكم في الخبرة ولا نقول نضوجا فالكاتب صالح القاسم معروف بنتاجه الأدبي ومقالته الأدبية والصحفية في الجرائد والصحف الأردنية وبعض الإصدارات والنشرات العربية إلى جانب ترجماته ومجموعته المترجمة عن روائع الأدب العالمي بعنوانملك الموت“, ولكن قصدنا هنا شانه شان أي فلسطيني أو عربي مازال يحمل هم الوطن ويحاول تشخيص الواقع وتسليط الضوء على مكنونات وخلجات وحياة المواطن الفلسطيني خاصة في بلاد الشتات بعيدا عن التنظير أو الإسقاط السياسي.

 

ويصور القاص في مجموعته القصصية الحديثة الصراع الداخلي للمواطن وصراع الأضداد الشقة أو الوطن الفدائي أو الإرهابي ، ولهفة المواطن للوطن، وكذلك هموم الحياة العادية التي تغرق النفس البشرية في تفاصيلها.حيث يحاول صالح في مجموعته هذه وبأسلوب سلس لملمة أطراف شقاء الإنسان ، وبخاصة الفلسطيني في مكان واحد ، ففي قصة المعلمة يحكي عن رحلة شقاء المرأة في المخيمات الفلسطينية ما بين العمل في البيت من رعاية شؤون المنزل ، ومن ثم في صباح اليوم التالي انتظار الباصات ، وركوب أكثر من باص للحاق بدوامها في قرية بعيدة جدا ، ويصيبها أثناء ذلك ما يصيبها من تعليقات زوجها الساخرة ، إلى بحلقات الرجال لها أثناء الانتظار في مواقف الباصات ، إلى زجر المديرة لها ومعاقبتها بسبب تأخرها المتكرر عن المدرسة ، ناهيك عن البرد القارص في الشتاء ، والحر في الصيف :

 

  ترتحلين مسافات طويلة جداً… تبدلين سيارة بأخرى حتى تصلي إلى مدرستك. تنتظرين باص المخيم الساعة السادسة قبل أن ينبلج ضوء النهار ؛ ليقلك إلى السوق… تنزلين في شارع الهاشمي، ثم تمشين حتى سرفيس مجمع عمان، وهناك .. تتكورين بكمد وسط الرياح القارة مثل الثلج … تتوحوحين وسط العيون الجائعة، تنتظرين أن يهل باص المفرق الذي ما أن يراه الركاب حتى يهرعوا إليه كل منهم يريد حجز مقعد قبل الآخر، قبل أن يطفح بالبشر” .

 

لكن ذلك لا يوهن من عزيمتها ولا تتذمر ، تظل على هذا المنوال من الشقاء ، وكأنه أمر عادي جدا ، تمضي في مسيرتها دون كلل ، وهكذا المرأة الفلسطينية في كل مكان: “

 

تبلعين غضبك، وبؤسك، آلالام تتجمع على شفتيك وتتوقف . تسمعين رقصة شفاهك وإصطكاك أسنانك… تشعرين بسكاكين برد ثوبك المبلول وأنت صامتة “.

أ

ما قصة ثلاثة دنانير ، فهي عن العلاقات بين الفلسطينيين غرب النهر ، وشرق النهر ، فكلاهما في هم واحد ، كل مشتاق للآخر ، وكل منهما يريد مساعدة الآخر ، ولكنهما يعيشان نفس الفاقة ، والمعاناة من شظف الحياة ، ولكن القصة ، تحكي في نفس الوقت ، تفكك العلاقات الاجتماعية بين الأقارب ، فبطل القصة يحالو أن يستدين ثلاثة دنانير من أقاربه ، لكنه يفشل ، أحيانا لعدم توفر هذه الدنانير فعلا ، وأحيانا لعدم رغبة الطرف الآخر بمد يد المساعدة رغم توفر هذا المبلغ البسيط :

 

 كلما قرعت ب

المزيد


صخرة طانيوس ( رواية )

نيسان 2nd, 2008 كتبها صالح القاسم نشر في , نقد

صخرة طانيوس ( رواية ) 

امين معلوف

عرض ونقد : صالح القاسم

       رواية صخرة طانيوس لامين معلوف فازت بجائزة غونكور الفرنسية لعام 1993، ومن الطبيعي أن يثير هذا الفوز فضول الكثير من القراء ، فيأخذون بالبحث عنها لقراءتها ومحاولة التعرف على الدواعي التي جعلت هذا الفوز واقعا . وأنا كغيري قرأت هذه الرواية بتفحص ودقة . ولم أجد – حقيقة – سوى حكاية عادية تستند على وقائع تاريخية يختلط فيها الواقعي بما أضافه المؤلف كضرورة لإنجاح عملية السرد الحكائي التاريخي .

       والرواية – باختصار شديد – تتحدث عن القصة التالية :

       شيخ يحكم قرية تدعى ( كفريقدا ) تكون له نزواته ورهبته ، له ابن يدعى رعد ، ومساعد له يدعى ( جريس ) ، بعد أن طرد مساعدة السابق ( روكز ) ، ويكون هذا الشيخ في حالة حب لـ ( لميا ) زوجة مساعدة ( جريس ) ينجح في إتيانها ، وتحبل منه وتلد ولدا يدعى ( طانيوس ) بطل الرواية . ورغم شكوك أهل القرية وشكوك جريس في شرعية طانيوس ، إلا أن طانيوس هذا يعيش في كنف أمه ( لميا ) وزوجها ( جريس ) .

       ويتعلم طانيوس في مدرسة انجليزية وسط حكم أمير مصري مدعوم – آنذاك – من الحكم الفرنسي ، وأثناء ذلك يهدي قـس المدرسة الإنجليزي بندقية إنجليزية إلى رعد ابن الشيخ والتي يقتل بها فيما بعد البطرك الفرنسي على يد ( جريس) ، والسبب : أن ابن الشيخ رعد ، وطانيوس كل منهما يريد ( اسما ) ابنة ( روكز ) زوجة له ، وعندما يذهب البطرك الفرنسي للتوسط في هذا الزواج يفاجأ بجمالها فيقوم ويخطبها لابن أخيه ، فيترصده جريس والد طانيوس غير الشرعي ، ويقتله بالبندقية الإنجليزية الآنفة الذكر، فتقوم الدنيا ولا تقعد ، خاصة وأن القتل ببندقية إنجليزية في منطقة يحكمها الفرنسيون . فيضطر جريش وابنه طانيوس إلى الهرب إلى قبرص .

       وبعد فترة يتمكن الأمير من تعقب طانيوس ، وجريس في قبرص ، وينجح في خداعهم عن طريق مخابراته الذين يذهبون إلى قبرص ، ويخبرون جريس وطانيوس بأن الأمير قد مات ، ويمكنها العودة . ولكن القدر يجعل طانيوس لا يركب مع أبيه في نفس السفينة العائدة من قبرص ، وبعد وصول جريس يأمر الأمير بقتله.

       وفي هذه الفترة يكون ( روكز ) المطرود من قبل شيخ القرية سابقا قد عاد إلى القرية واستلم الحكم بدلا من الشيخ الذي وضع في السجن.

       وبعد فترة ، يعود طانيوس إلى القرية يصحبه ممثلي ن للدولة العثمانية ، وممثلين

المزيد


عو .. رواية الجرأة والمشاغبة ل ابراهيم نصرالله

شباط 19th, 2008 كتبها صالح القاسم نشر في , نقد

عو .. رواية الحساسية المرهفة والجرأة والمشاغبة

تدور رواية عو حول كاتب نقي طموح يكتب للحرية والوطن والعدالة الإنسانية ، ولكن هذا الكاتب يلاحق ويحارب من قبل السلطة بشتى الوسائل لكي ينئني عن عزمه وعن مبادئه ، وتبدأ الملاحقة والتضييق على الكاتب ( أحمد الصافي ) منذ أن أصدر الجنرال أوامره عبر كلماته الأربع : " أحمد الصافي .. بدنا اياه ، ص 13 " ، وتنجح السلطة المتمثلة بالجنرال باحتوائه وتحويله كأنه كلب يحل محل كلب الجنرال يتمسح بذيوله ، ويدور حوله يلامس حذاءه لقاء ما يرميه من فتات الطعام .

        يظل الكاتب (أحمد الصافي) في صراع دائم مع نفسه ، ومع زوجته كثيرة النوم التي اعتادت على طباعه وطقوسه الكتابية ، وبين ابنه فارس الذي أحبه منذ خرج من بطن أمه ، فالجنرال يهدده بإغلاق باب الدنيا في وجهه بفصله عن الوظيفة ، بفصل زوجه عن العمل ، يطرد ابنه فارس من المدرسة ، يتكرر هذا الضغط وهذا التهديد ؛ يتكرر أمامه كل يوم بعد انتظار طويل في قاعة الانتظار ( قبل بدء التحقيق ) الممتلئة بالجرائد من كل نوع للتسلية وتسجيه وقت المنتظرين أمثاله .

وقد بدا الجنرال في تدجين الكاتب أحمد الصافي باسلوب نفسي قاتل عن طريق الاغواء مرة ، وعن طريق التهديد مرة أخرى ، فمرة يقول له الجنرال : " لا أظن أنني مضطر أن أفعل ذلك باعتقالك مثلا .. بسجنك وتعذيبك ، فنحن أيضا لا نريد ان نجعل من أي منكم بطلا … ولأنك لن تكون بطلا في يوم من الايام ، وهذا وعد قاطع مني ، فانني أنصحك أن تكون انسانا محترما على الأقل ، ص 14 "

وحوار العنجهية هذا ( الجنرال ) مع الثقافة ( أحمد الصافي ) ، يحدث بألفاظ منمقة لكنها تحمل تهديدا وضيعا جدا بأسلوب وضيع مكشوف وبخاصة لدى مثقف مثل ( أحمد الصافي ) : " هل أسأت اليك .. هل ضربتك مثلا .. وأنت تعرف أننا قادرون على ايذائك . ولكن ..بالمناسبة كيف أحوال العمل لديك ، إنني أتابع مقالاتك اليومية ، تستطيع أن تعتبرني متخصصاً فيك ، ص 14 – 15"

ويستمر الجنرال بالتحايل على أحمد الصافي يحيط به كما تحيط الاسورة بالمعصم مرة عبر باب وهم التقدير والاحترام والمثاقفة والاستنارة : " يا احمد أنت أهم بكثير مما تعتقد. كيف أدرك الجنرال ذلك ، كيف لم تكتشف أمه هذا ، يجب أن تكون في المكان المناسب ، إنك الآن أشبه ما تكون بنهر ضائع في الصحراء ، لنعمل سوياً وبصورة عملية من أجل مواطنينا، وإذا لم يدرك هذا إنسان وطني أصيل ، مثقف مثلك ، فمن سيدرك ؟ ، ص  107"

يعزف الجنرال على الوتر الحساس عند أحمد الصافي وهو حبه لمن يقدر كتاباته : "  "إنني من قرائك .. أستطيع مثلاً أن أعيد عليك قراءة فقرات طويلة من مقالاتك . بدأ بتعداد عناوين المقالات المنشورة خلال شهر تموز ، فوجئ أحمد الصافي أكثر .. وحين بدأ الجنرال يتجاوز العناوين للدخول إلى ما هو أكبر منها ، كان أحمد الصافي فريسة للدهشة"، ص 48 ) .

ولا يتوقف الجنرال عن مد حبال الاغراءات للكاتب أحمد الصافي : "  ما أردت قوله : إن بعدكم عنّا يفقدكم أدوات التنفيذ ، آلية التنفيذ ، ولأعترف ، أن غياب بعض العقول المستنيرة ، وبعدها عنا سبب مباشر أحياناً في وقوعنا في بعض الأخطاء.. بمعنى أنكم تتحملون نتيجة أخطائنا ، ص 73 ) .

ومما يساعد الجنرال على الايقاع بأحمد الصافي هشاشة الكاتب نفسه ، ورغباته المكبوتة في الامتيازات والمناصب  " :  صعد الدرجات باتجاه المكتب .. وثيراً كان .. دائماً كان يتمنى أن يحتله لساعات – لساعات فقط ، ويمسك زهرة الهدوء من عنقها .. كان يدرك أنه أكثر أهمية من رئيس التحرير وأكثر شعبية منه .. أما اذا نظر إلى المسؤولين عن الأقسام الأخرى فإنه أكثر أهمية منهم مجتمعين ، ص 31-32 ) .

وينجح الجنرال في اصطياد الكاتب ( أحمد الصافي ) حتى يوقعه في حبال ألاعيبه وبالفعل يتحوّل ( الصافي ) تدريجياً إلى شخص آخر ، يأخذ أوامره من الجنرال : " تذكر.. إنني أريدك معتدلاً .. وأن تبدو علمياً.. نحن بحاجة إلى كمان .. لسنا بحاجة على بوق .. ، ص 151 " .

وتستمر أوامر الجنرال الى ( الصافي ) حتى لا يعد هناك فرق بين الصافي وبين أي كلب من كلاب الجنرال ، يصبح مجرد كلب يقعى وينبح ويهزُّ ذيله ، دون أن يشعر أحد بفرق أو اختلاف بينه وبين الكلاب الأخرى : "أقعى والطوق محكم على رقبته.. نبح مرة أو مرّتين حين كان يسمع محّرك

المزيد


" دفاتر الغيم " للشاعر يوسف عبد العزيز

شباط 16th, 2008 كتبها صالح القاسم نشر في , نقد

ديوان " دفاتر الغيم " للشاعر يوسف عبد العزيز

 الحائز على جائزة الدولة التشجيعية

في البداية أحب أن أستعرض سريعا ما قاله الناقد العراقي الكبير الدكتور يوسف عز الدين عن أشعار يوسف عبد العزيز خلال نقده للقصائد التي ألقيت في مهرجان المربد. فقد نشر الناقد المذكور سلسلة مقالات متتابعة عبر صفحات مجلة اليمامة . ومن ضمن ما لفت انتباهي رفعه لقصائد إلى أعلى مرتبة ، ومسخه لقصائد إلى أدناها . ولا أدري ناقد مثل يوسف عز الدين لماذا يستهل مقالته بسؤال حول شعر المربد كلية حيث قال: " ولا أدري إن كان هو شعراً أو نثراً ؟ ".

وعندما يصل الدور إلى يوسف عبد العزيز يقول: " أمّا يوسف عبد العزيز من الأردن فقد خلط الكلمات وصفّها صفا دون أن يعرف ما يريد . ولعلّه يريد اموراً إنا لا نعرفها والمعنى في بطن الشاعر. وأستشهد بهذه العبارات (المقطع).

الهواء المغني يفك جدائله في الحقول

ويسند رأسـه على حجـر ويصغّـر

السحابـــــة الحمــــــراء

والســــــرور الأخضــــر

الوقـــت آخـــر الصيـــف

والمـــاء يلمـــع في عنــف

الأرض كالسيــــــــــف

هذه الكلمات يقول عنها الناقد يوسف عز الدين: " إنها كلمات ليس فيها إيحاء " ، وليس فيها رمز ، وليس فيها معنى . وجاء بأمور معروفة على البديهة . أضاع الشاعر قابليته الأدبية لأنّه بحاجة إلى الحس الشعري ، ولو درس موسيقى الشعر لوجد مكانا بين الشعراء المستجدين .

ويعمم هذه الأقوال على أشعار غسان زقطان، والشاعر خيري منصور ، وغيرهما . في حين يمتدح شعرا بقوله: " أمّا عبد المنعم حمدي فقد أسهم بقطعة جميلة منها هذا المقطع :

بيت طيني بثلاثة فتيان

الأول يهم أن يتزوج بامرأة من صنف العين

ويؤثثه ببنات وبنين

الثاني يحكم أن يفتح الدنيا من يثرب حتى بكين

الثالث يسأل

هل يحكم سكان بيوت الطين

ولا داعي لتجريح مثل هذا الشعر أو قرظه. لكنه شعر واضح الهدف والمعنى ، ولعلّ ذلك ما يركز عليه الدكتور يوسف عز الدين. لكن المدهش في الأمر أنّه يمتدح شعرا كتب بأسلوب تقريري وألفاظ مكررة بفجاجة تخلو من المعنى والموسيقى الشعرية . فقد كتب يقول: " وكان عبد الحميد بطاو أكثر رقة وأحسن منه إيحاء برغم بساطة العبارة والتقريرية ، فنظم العذاب النفسي الذي أحس به ، ولعلّه وصف حالة المجاهد الذي يعود من المعركة على خير الفروض :

حينما أقوم في الصباح

أغسل وجهي جيدا

بالماء والصابون

في كل يوم حينما أعود في المساء

نازف الجراح

أغسل وجهي جيدا بالماء والصابون

 

فأين الرقة وحسن اللفظ والإيحاء في مثل هذا الشعر ، وهو أقرب ما يكون إلى النثر. ولا أدري لماذا يشفع الناقد هذه التقريرية وهذا التكرار. في حين يخلع عن شعر يوسف عبد العزيز كل معنى وكل إيحاء . وأنه لأمر يدعو للدهشة أن يقع في ما وقع فيه الدكتور يوسف عز الدين وهو صاحب الشأن في ميدان النقد الأدبي .

ولست هنا بموقع المدافع عن شعر يوسف عبد العزيز ، لكنه شاعر له حضوره ، وله مكانته. وشعره كما يدق القلوب ، كذلك يلكز الرؤوس المطأطأة . ويثير فيها الوصول بعد أن كادت توهنه صراعات الخبز اليومي وسعيرنا اللاهث لاقتناء مباهج التكنولوجيا .

لعلّ الغموض الذي يلف شعر عبد العزيز هو سبب عدم فهم بعض النقاد . فهو يفجر الكلمات ، ويحاول تجريد الأشياء من غرائزها والباسها أو البث فيها معان جديدة قد تبدو غامضة للوهلة الأولى .

ونظرة سريعة إلى ديوان دفاتر الغيم نلاحظ ذلك بوضوح . وهو في شعره هذا لا يكتب الكلمات وإنما يرسمها رسماً، وكلماته لم تكن موحية وحسب، بل موجعه أيضاً ، وبأسلوب رومانسي تلامس إحساسنا المر .

وأنا أرى أنّ هذا الشعر ليس تجديدا أو جديداً بحسب ما هو متعارف عند النقاد ، ولكنه فعل كتابي خبزه الشاعر من عجينة القهر ومعاناة التشرد لحد الصعلكة.

فها هو يعيش في غبار مظلم يلفه من كل جانب ، إلاّ أنّه يرى كل شيء، وأفضل من كل الأوقات:

ألهذا الغبار المضيء

قدتني ذات يوم

ثم أسقطتني في الظلام

وهو لا يتحول إلى طاغية ، لكنه قوة كافية يمكن أن تنفجر في أي وقت :

ولكنني لست طاغية

أنا جمرة في فم الماء

والرعد صوتي الدفين

سرقوه، لم يعد يستطيع النوم ، دائم القلق. يتربص باللصوص

صار عندي

ثلاث نساء

وعشرون طفلا

كلهم يسهرون معي

في انتظار اللصوص

والأرض عنده دودة دون أمانيه ، دودة تأكل جسده ببطء :

وأشهد أنّ هذي الأرض دونك

دودة عمياء تسري

في لحاء جسدي

وصوت بيته إن ل

المزيد


"الوجوه" … قراءة نقدية

شباط 4th, 2008 كتبها صالح القاسم نشر في , نقد

"الوجوه" … قراءة نقدية 

        في كتابه القيم "مسلمات في ضوء التحقيق" يقول إبراهيم العجلوني في البحث عن فارق رئيس بين القصة والرواية: " إن القصة منوطة ( بالموقف ) سواء طالت أم قصرت ، والرواية منوطة ( بالشخصية ) ، سواء أطالت أم قصرت كذلك . ويضيف في مكان آخر: إن الروائي الناجح هو الذي يتعامل مع الحياة مباشرة ، ولا يفلت شيئا من جزئياتها ، ووقائعها وهو الذي يخلص بنا من خلال شخصياته والأحداث التي تعصف بهم إلى فهم أدق وأعمق لها ".

        ولا اقتطف هذا من مقولات العجلوني لمناقشة هذه الآراء، فهي من البساطة والوضوح لحد الاعتياد ، لكن الذي ساقني لمثل هذه المقدمة لأنني بصدد دراسة " الوجوه " المحاولة الروائية التي صدرت عن دار الكرمل بعمان .

        هذا من جهة ، ولأنني جد أبحث عن تسمية حقيقية لـ " الوجوه " هل هي قصة قصيرة طويلة لكثرة المواقف التي اشتملت عليها ، ولأنها لم تؤكد على الشخصيات من حيث التحليل العميق لنفسياتهم ، ومسوغات تصرفاتهم وتحركاتهم أثناء البناء الدرامي ، أم هي جمعت ( حال الوسط ) بين فنون القصة القصيرة سواء طالب أم قصرت ، والفن الروائي سواء أطال أم قصر كذلك .

        رواية " الوجوه " تستحق منا كل هذه الأسئلة ، وتستحق منا الوقوف عندها ودراستها ، فهي تجربة فريدة وجديدة على الساحة الأدبية الروائية في الاردن ، وهذا ما جعل الأديب إبراهيم العجلوني لا يملك الجرأة بإطلاق تسمية متداولة كرواية مثلا، واكتفى – تواضعا – بإطلاق التسمية " محاولة روائية " على " الوجوه " فماذا تكون هذه المحاولة ؟.

        سأتناول " الوجوه " بطريقة تستند إلى ركائز يمدها النص نفسه. وأول ما أتناول العنوان . حيث يتبادر للذهن أننا بصدد قراءة رواية تشتمل على وجوه عديدة ، وتدفعنا الرغبة لمعرفة هذه الوجوه ، هل هي وجوه آدمية عادية ؟ أم نحن بصدد وجوه من نوع آخر ؟ .

        "… إنك تجاملني كما تجامل الآخرين. ولعلك تجامل نفسك أيضا . وتخنق روحك تحت ركام من المجاملات ، أننا في عالم غير حقيقي ، وأنت دليلي على ذلك ، فما نراه هو الأقنعة فقط ، أما الوجوه فيرحم الله أباك..".

        هذا ما قالته " ورود " للشخصية الرئيسية ( البطل ) والذي هو بدوره يسأل في نهاية الرواية " هل نحن حقا في عالم غير حقيقي؟ ".

        ولعل في هذا الاقتباس المأخوذ من أجواء الرواية هو ملخص لفحوى الرواية العام . فهي تؤكد من أولها وحتى آخرها أننا جميعا نعيش بأقنعة مختلفة ، تتشكل بأشكال وألوان متعددة دون أن يكون هناك ما يسوغ هذا التشكيل . وليس حسبه هذه الظروف والبيئة المحيطة بهذا القناع أو ذاك. " كأنما هو نهر في خريطة مهترئة ".

- " نحن .. مواسير مياه "

- " اسمعوا .. نحن سيارات خردة ".

        وينسحب هذا على معظم الوجوه: ممدوح، وعبد العزيز ، وخميس، وسهام ، وورود ، ومتعب ، وماجد وزوجته البدينة ، وأبو عثمان ، وإسماعيل ، والشيخ الوقور.. الخ ، فكل واحد من هؤلاء له مواقف ، أو بمعنى أصح أقنعة فعبد العزيز الشيق ، غير المكترث، والذي يعدل كل مؤتمرات الدنيا بكأس ويسكي واحد . والبطل يظن " أنه قادر على أن يبصق في وجهه ". و ( سهام ) تقول عنه : " لقد خدعتني بوجهك الطفولي " ، فهي التي تكشفت

المزيد


" ملك الموت" ملاحظات حول >>>>>

شباط 27th, 2007 كتبها صالح القاسم نشر في , نقد

ملاحظات حول مجموعة صالح القاسم المترجمة

" ملك الموت"

 

بقلم : د. محمد عبدالله قواسمة

" ملك الموت" مجموعة قصص ترجمها القاص صالح القاسم الى اللغة العربية ، ونشرها في مدينة اربد هذا العام .

 

تحتوي المجموعة على قصص قصيرة لأدباء عالميين ذوي اتجاهات أدبية مختلفة ، وهم : أنطون تشيخوف ، وفرانز كافكا ، وفيل جوجندار ، وساكي ، وجيمس سالتر ، وجيمس جويس ، وب بيورسون ، ومعظم هؤلاء عرفهم المثقفون العرب عن طريق ترجمة كثير من أعمالهم خاصة تشيخوف وكافكا وجويس .

 

فمثلا ترجم عيسى الناعوري في كتابه ( من القصص العالمي ) قصتين لتشيخوف هما : ( الحزن ) , و( فوران) ، وترجم نبيل فياض قصة ( التحويل ) ، أو ( المسخ )

 

لقد بذل صالح القاسم جهدا طيبا في ترجمته لهذه القصص التي تحمل عناوين : العمل الفني ، مساء هاديء للسيدة آن ، ملك الموت ، الخادمة ، الحكواتي ، انفصام ، رحلة ايفلين ، الأب ، وجاءت ترجمته كما قال الكاتب والروائي حسن حميد في تقديمه للمجموعة في غاية البساطة ، وحسن الانتقاء ، وروعة الاسلوب ، كما أن لغتها بدت في صياغات جميلة حتى أنك ( تحس وأنت تقرأ هذه النصوص المترجمة بأنها ليست مترجمة اذ لا يصادفك اعثار ، أو ارتباكات في الاسلوب وبناء الحبكة .. ) .

لكن هناك ملاحظات يحسن ذكرها وهي :

 

الملاحظة الاولى : لم يوثق صالح القاسم المصدر الذي ترجم عنه ، ولا اللغة التي ترجم عنها ، ليس هناك أية اشارة الى المصدر أو اللغة لا في ثنايا الكتاب ، ولا حتى في التقديم  الذي كتبه حسن حميد ، كانت الأمانة العملية تقتضي أن يذكر المصدر ، ويبين اللغة التي ترجم عنها

 

الملاحظة الثانية : لقد كتب على الغلاف : ( لقد اختار القاص والكاتب الاردني المعروف الموهوب الاستاذ صالح القاسم قصصا عالمية غير مترجمة ، ونقلها الى اللغة العربية بأسلوب فيه الكثير من الدقة والشاعرية والجمال … ) ، واذ كنا لا نعارض على أي صفة من الصفات الج

المزيد


صالح القاسم ومختاراته العالمية بقلم : سمير أحمد الشريف

شباط 26th, 2007 كتبها صالح القاسم نشر في , نقد

صالح القاسم ومختاراته العالمية

 

بقلم : سمير أحمد الشريف

 

 ( ملك الموت) مجموعة قصصية جديدة مترجمة دفع بها القاص المبدع صالح القاسم الى السةق مكننا بوساطتها أن نستعيد ذكرى العمالقة في فن القصة أمثال انطون تشيخوف ، وفرانز كافكا ، وجيمس جويس ، وغيرهم بعد أن أغرقتنا الحداثة بأمواج اللاابداع بحجة التجديد ولمجرد الخروج على السائد والمالوف .

 

لا أبتعد كثيرا عما قاله المبدع الروائي حسن حميد في تقديمه للمجموعة من أن الثيمات الرئيسية في هذه القصص جميعا هي العاطفة البشرية ، والخوف من الموت وان تميزت في المعالجة الفنية والاختيار لبدايات القصص والقدرة على الوصول بها الى نهايات متوازنة معقولة ومقبولة فنيا .

 

 يضاف الى ذلك حس مرهف وذائقة شفافة من لدن المترجم الذي ساعده انشغاله بالهم الابداعي القصصي أن يضيف لجهده نكهة خاصة فجاءت الترجمة بسيطة غير متكلفة ، وفيها مزاوجة جميلة بين الأصل والترجمة .

 

هذا الجهد من قبل الكاتب والمترجم صالح القاسم بحاجة مع غيره لساحة نقدية تواكب هذا الكم الذي تدفع به المطابع يوميا متابع

المزيد


ليلة الريش رواية الأدب الرفيع

شباط 25th, 2007 كتبها صالح القاسم نشر في , نقد

 أستضيف هنا ما كتب عن رواية الصديق الكاتب والروائي الكبير جمال ناجي ، وذلك لأهمية روايته ( ليلة الريش ) ، فهي رواية بحق تستحق أن تكون رواية العصر ليس لأنها تتحدث عن المال والثراء ، ولكن لأن هذا العصر هو المسيطر الآن ، وأعتقد أن هذه الرواية لو تم حشوها بقصص الشذوذ الجنسي لنالت من الشهرة أكثر من رواية عمارة يعقوبيان ، ولكنها أي رواية ( ليلة الريش ) رواية راقية بكل معنى الكلمة : من حيث اللغة ومن حيث المضمون ناهيك عن اسلوب كتابتها أيضا ، وهي مكتوبة بلغة الروايات الرفيعة المستوى لا بلغة الخمارات وغرف الرذيلة الخلفية ، بعكس رواية عمارة يعقوبيان فرغم انها تتناول عالم المال والفساد الا ان تركيزها انصب على الشذوذ وبخاصة ما بين الرجل والرجل وهو ما جعلها قبلة الباحثين عن الشهرة والغنى السهل السريع تماما مثل ابطال الرواية نفسها ، فالذين قاموا بالترويج للرواية وعمل فلم عنها هم امتداد لشخصيات الرواية نفسها الذين كانوا يتحدثون بلغة واحدة ، اللغة التي دلت على أن الانسان من السهولة أن ينساق الى الهاوية تحت ضغوط الحياة ، وتظهر الرواية أيضا الجانب البشع من البوليس المصري ليس بقصد فضح اساليبه ولكن بقصد تخويف المصريين من مغبة الدخول في المعارضة وبخاصة الاسلامية منها .

 

أما رواية ليلة الريش فهي للانسان والحياة ، ولذلك لا بد للغتها أن تكون راقية وشفافة ، وكان بامكان الرواية أن تتسع لشذوذ رجال المال ، لكن لا مجال عند الروائي جمال ناجي الا للأدب الراقي ، وليلة الريش لو يلتفت اليها منتجو الافلام لأخرجوا منها فيلما عظيما يكون موضع حديث الأجيال

 

 

 

جمال ناجي يقتحم عالم البنوك والصيرفة كمكان خصب للرواية والسرد

خليل قنديل

       تكمن قدرة الراوي عادة في ملكته الخاصة باجتراح أمكنة جديدة لم تطرق بعد، وفي الشخوص الذين يمكن تخليقهم من معطى هذه الأمكنة، وفي تداعيات اشتباكات العلاقة ما بين هؤلاء الشخوص والأمكنة المستحدثة حبرياً في سرد الراوي. التي يقودها سارد النص بعينه الثاقبة والحافرة نحو الورق والقراءة. كي تعاود إنتاج ذاتها وشخوصها من جديد، في القراءة، وفي الأثر الذي يمكن أن تتركه هذه القراءة عند القارئ.

الروائي الأردني جمال ناجي امتلك قدرته الخاصة في مقارعة الامكنة النيئة والطازجة، واقتيادها نحو حبره وكتابته في أكثر من رواية، حيث نلحظ هذا الكد عند ناجي في منتجه الروائي الأول "الطريق إلى بالحارث"  1982الذي امسك من خلالها بمنطقة بالحارث النائية في اطراف الجزيرة العربية وشجر من خلال هذا المكان الذي عانى من صحراويته العديد من الأحداث الجارحة في شخصية المعلم بطل الرواية.

أما في روايته الثانية "وقت" 1985، فقد امسك ناجي بالذات الفلسطينية التي تقترح مكانها الموجع من خلال التهجير القسري الذي عاشته هذه الذات مثلما امسك بالتداعيات الموجعة في المكان المقترح "المخيم".

وفي روايته الثالثة "مخلفات الزوابع الأخيرة"، ينحت ناجي مكاناً طازجاً على اطراف المدينة، هي عمّان، ويتتبع ناجي هذا المكان، عبر أكثر من حقبة زمنية يصوغ خلالها ويشيد المكان وشخوصه من جديد.
أما في "الحياة على ذمة الموت"  1993فيذهب ناجي نحو اختراق الهزة الاقتصادية التي اصابت الاقتصاد الأردني، خلال الثمانينات وشخوص وأساطين هذا الارتباط المائي، الذي تمثل في شخصية "الضبع".
لكن اللافت حقاً في تجربة ناجي الروائية بمجملها هو اقدامه مؤخراً على إنجاز روايته التي صدرت حديثاً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر والموسومة بـ "ليلة الريش" التي اكدت ما اشرنا إليه سلفاً عن "جمال ناجي" من حيث قدرته على اجتراح امكنته الجديدة، وشخوصه الجدد، الذين يؤكدون شرطية حضورهم واختلافهم مع اختلاف المكان ذاته.
إن جمال ناجي يذهب في "ليلة الريش" إلى فعل جديد، وأمكنة جديدة، ومناخات يمكن الجزم بأن الرواية الأردنية بمجمل تاريخها وربما العربية أيضاً، وهي عالم البنوك والصيرفة كمكان للرواية والسرد، لم تتطرق لها، ولم تغامر باقتحام سراديبها وتعرجات تكوينها، وربما من هنا تأتي خطورة الكتابة الروائية من هذا المناخ. والمغامرة ضمن هذا الطرح تأتي في مكنة صناعة رواية مغمسة بجفاف الاقتصاد وارقامه العدوانية الجارحة.
إذ إن التحدي الذي واجهه "ناجي" في "ليلة الريش" يكمن في قدرته على كتابة رواية الاقتصاد القادرة على كشط كل سماكات الجفاف التي يولدها الفعل الاقتصادي القائم على ترقيم الإنسان وفعله وحركته واعتقاله في مساحة الربح والخسارة والنفاذ إلى الشخصيات التي تصنع هذه الجلافة الرقمية للمكان "البنك" ومن ثمَّ انسنتهم، وقد استطاع ناجي أن يؤنسن الاقتصاد كي يصبح مقروءاً ويمكن أن يخضع لسلطة الإبداع الروائي، وقدرة هذا الإبداع على ترويض المكان وشخوصه. وفي الدخول إلى المناخات التشيدية للنص نلحظ أن لا انفصام على الإطلاق ما بين المكان والشخوص في ليلة الريش.
حيث نلحظ ومنذ المطلع الأول للرواية حضور "عامر الحاوي" موظف البنك الذي يقود انقلاباً نقابياً لموظفي البنك، طوال الزمن الممتد داخل الرواية وهو يدخل كحالة مؤنسنة إزاء مبنى البنك الصلد بزجاجه وواجهته، ذات القواطع الرخامية: "لو وقفت على شرفة بيت (عامر الحاوي) ونظرت غرباً، لرأيت جسماً هائلاً ناهضاً من الأرض باستقامة وقسوة ولرأيت أن الأجسام الأخرى القريبة اصغر من أن تلتحق به أو تشبهه. لن ترى أكبر من البناية الذهبية حين تنظر من تلك الشرفة نحو الغرب، ومهما كانت الأجسام والأشجار والعمارات التي تعترض مجال رؤيتك فإن جزءاً من البناية سيبدو أمام ناظريك، معلناً الوجود الصلد لذلك الجسم الهائل. ص (5).

منذ الصفحة الأولى يدخلنا ناجي في مكانه الهائل والصلد "البنك" يدخلنا ببراعة من احتمال وقوف القارئ على شرفة بيت "عامر الحاوي" الشاب السارد الخفي للنص، والمقاوم لهيمنة المصارف ولقدرتها على امتصاص دم العاملين فيها من خلال تحويلهم إلى ما يشبه الأرقام.

"هكذا علمهم البنك، هكذا طالبهم، عبر دورات العلاقات والتسويق التي تعقدها دوائر التدريب، تلك الدورات التي يحرص المحاضرون في بدايتها على قيافة الموظف، وحسن هندامه، وابتسامته الهادئة التي لا يجوز أن تبلغ حدود الضحك، ثم ضرورة ضبط اعصابه، والحديث بصوت منخفض لكنه مسموع وامتداح الآخرين بغرض كسبهم" ص20.

إن البنك "كمكان اصيل في ضخ خصوبة الشخوص، وتألقهم السردي في "ليلة الريش" يبدو كالديناصور الذي يمتص ويهضم، لا بل يصهرج كافة الشخوص.

كان البنك يمتلك سره المؤسسي الخاص، الذي يمنحه قوة دفع واستمرار غامضة لا يعيقها خروج الأفراد أو فصلهم، كان اشبه بمركبة هائلة، تسير مئات بل آلاف العجلات التي تتجدد من تلقاء ذاتها حتى لو اصاب بعضها العطب" ص

37.لكن هل تقبل الشخوص هذا الابتلاع، أو هذه المصادر؟

بالطبع لا، إذ نحلظ أن "عامر الحاوي" وهو أحد الشخوص الرئيسية في الرواية، يقود انقلاباً نقابياً من زملائه الموظفين في البنك، برغم هشاشة الرومانسية في علاقته مع "واحة"، لكن وإن كان يقبل الانكسارات الهامشية لمسار حياته الذاتية، إلا أنه يشكل حالة نقابية صلبة إزاء مصادرة نهج "البنك" لحقوقه ولحقوق باقي الموظفين، إلى درجة الاقتراب من نجاح هذا الانقلاب، وفتح باب المفاوضات مع إدارة البنك، وتحقيق العديد من المطالب.

لكن ما يقابل كل هذا هو رأس البنك وعقله المدبر "الحاج" الذي استطاع ناجي، أن يقدمه للقارئ، بطريقة لا تخلو من قسوة الكشف والتعرية، ففي الوقت الذي يقدم لنا فيه الحاج كسلطة تامة وماحقة لكل من يخالفها، أو لكل من يعتقد أنه يمكن أن يؤثر على البنك وحضوره في عالم الاقتصاد ورأس المال، فإنه من جانب آخر يكشف عن الحمق الكامن في شخصية الديكتاتور وحاجة هذه الشخصية لممارسة جوانبها الإنسانية سواء مع الزوجة أو الابن رجب أو مع الحبيبة "كلاوديا" التي تظل تستنهض روحه نحوها.
لكن الجسد الذي يقاد نحو كهولته الغامضة، يتفتق عن خرق خاص إلى الدرجة التي يضطر فيها إلى ابتكار أو اختلاق شخصية المرأة البصارة التي تقرأ له حظه.
لكن هل يكتفي الرجل الذي يوازي البنك في صلادته وقسوة أرقامه وأرباحه بهذا؟ إن الإجابة التي يقودنا اليها ناجي حول شخصية الحاج وتداعي كهولتها تتمثل في حالة تشير إلى أن صاحب رأس المال حين يفقد قدراته الجسدية المتناقصة أمام قدرته المالية، يقوم بقتل كل شيء، حتى إطلاق النار على الطيور وأشجار السرو. أي الاعتداء على الطبيعة الأم: "كان المساء مبلولاً برذاذ شتاء متسخ، بينما تختبئ الطيور في اعشاشها بطمأنينة متوارثة، وفي لحظة خارجة عن توازنه الذي عرفته المدينة بأكملها، اطلق نيران رشاشه، لأول مرة في حياته نحو تلك الاعشاش - التي قذفت الأبدان النازفة لصغار البوم وكبارها، ثم الحقتها بالريش المدمى، وكتل القش المبلل بالماء والدماء، في حين انهال غصن غليظ قرب رأسه، فتفاداه غير عابئ بشيء" ص265.

ويستمر الحاج بقصف مهاجع اليوم إلى أن يقول: "لا داعي للشؤم، لا داعي لبقاء الأشياء مثلما كانت قبل خمسين عاماً، من الآن وصاعداً لا اريد رؤية هذا السرو الذي يؤوي الخراب ويحجب شمس النهار عني" ص265.

إنها ليلة الريش، وليلة قتل طائر البوم، الذي يعشعش وصغاره في سرو حديقة القصر، وهي الليلة التي يدرك فيها مؤسس البنك، أن الخيبة والشقاء إنما يكمنان أصلاً في الجسد الإنساني الذي لا يمكن أن يمتلك ديمومة المال، هذه الديمومة التي تنتج ابنها الخاص، "رجب" ابن الحاج الذي يبدو بعقليته الاقتصادية المتفتحة على العالم أكثر شخصوص الرواية ربحاً، وهو الذي تسلم التقرير النهائي عن عامر الحاوي وجماعته وضحك متسائلاً إن كان ثمة بقايا لمخلوقات رومانسية في زمننا الحاضر. وفي الحديث عن رجب نقرأ: "كان أكثر تحفزاً على وشك الوثب، وما كان دعمه الخفي للهيئة إلا جزءاً من خطة مركبة تجاوزت أفكار ابيه وسواه ممن استغرب أن تكون لأذهانهم حدود متكاسلة عاجزة، عاجزة عن شق المسارب المفضية إلى ورشة العالم الجديد. ففي حين انشغل الحاج وادارته عن قضايا الموظفين والديون المتعثرة ومؤامرات المتنفذين، وفي حين انتظرت البنوك الأخرى بتحريض، ما ستسفر عنه معركة البنك مع تلك الهيئة ومن وراءها، فقد كان يخطط لما هو ابعد من تلك التخوم المحلية المقيمة في ذهن الحاج، وكل صانعي القرار في تلك البنوك النزقة أو المترهلة.
إنه رجب الذي استطاع المطالبة النقابية بالتعويضات. واغراء العديد من موظفي الحمولة الزائدة في البنك على الاستقالة. وهو أيضاً "رجب" الذي استدل على "واحة"، التي احتل وجدانها بأمواله وهداياه، دون أن يتزوجها.

"واحة" خندق الحب الأخير لعامر الحاوي.
إنه الرابح الوحيد "فرخ" رأس المال الذي اكتسى بريش صغار طير البوم المبللة بالدم، كي يعيد سرد الحكاية من جديد، حكاية البنوك، وقسوتها الباردة، في إدخال الإنسان وترقيمه داخل أجهزة الكمبيوتر، وفي الالتماعة المرتعشة لشاشاتها.

إنه الرابح الذي شكل خسارة عامر الحاوي الذي اعتقد أنه بامكانيته المتواصفة في القدرة على سرد الحادثة حبرياً قد ربح ولم يدان "رجب" هو الذي سيعيد صياغة الناس وحياتهم من جديد بقسوة إجرائية بينة وواضحة.. لا تشبه الكتابة على الإطلاق. وإنما تصنعها، وليس بمثل ما فعل جمال ناجي بالضبط!.

 

 

 

الموقف الادبي اذار 2005

ليلة الريش) رواية جمال ناجي مساهمة نوعيةفي الرواية الأردنية ـــ د.سليمان الأزرعي ـ الأردن

أنجز الروائي جمال ناجي عدداً من الروايات والأعمال القصصية التي تابعتها جميعاً. وبدأها في (الطريق إلى بلحارث) عام 1982، التي لخص فيها معاناة موفد شاب إلى المملكة العربية السعودية، حيث واجه هناك شتى صنوف المعاناة، ليس بسبب الغربة وحسب، وإنما أيضاً بسبب تحدي التكوين الاجتماعي والثقافي للمحيط الجديد، الذي وقف وجهاً لوجه أمام النموذج البشري الوافد على هذا التكوين، والذي جاء إليه حاملاً معه منظومته الخاصة، ومفردات إنسانيته التي راحت تتداعى مفردةً تلو أخرى بسبب الهجوم الطاغي للتشكيل الاجتماعي الجد


المزيد


بابا والبطيخ بقلم وليد سليمان

شباط 13th, 2007 كتبها صالح القاسم نشر في , نقد

 

بابا والبطيخ أو القطط القتيلة صالح القاسم في قصصه القصيرة

بقلم وليد سليمان

 

        في هذه المجموعة من القصص القصيرة والتي نشر أكثرها في مجلات عربية مرموقة : مجلة افكار , ومجلة الناقد , ومجلة كتابات معاصرة , ومجلة  اسفار, ومجلة الجدور , ومجلة الفصول الاربعة , ومجلة المجلة العربية , ومجلة الوحدة .. الخ , وهذه المجلات يصدر بعضها في : الاردن , ولبنان , ولندن , وقبرص , وليبيا , والمغرب , والسعودية ، لذا فقد نالت هذه القصص من التقدير والاحترام وذلك بنشرها في تلك المجلات قبل أن يذهب القاص صالح لنشرها في كتاب مستقبل صادر عن دار الكرمل وبدعم من وزارة الثقافة الاردنية .

  

   وفي البداية لا بد من الاشارة أنه عندما يقرأ القارئ عدة مجموعات قصصية فلا بد ان يلاحظ ان لكل كاتب نكهة خاصة تميزه عن الاخرين سواء كانت العادية أو الابداع  ، فحتى الابداع له نكهات  خاصة ضمن مميزات قصص صالح القاسم ، مثلا استخدامه لعدد كبير نسبيا لكلمات قليلة الاستعمال في كتابة القصة ،  والى استخدام اللهجة العامية احيانا ، والى البساطة والسهولة والبراءة المطلقة في محور قصصه التي لا بد أن تشعر في بعضها انه لم يتطرق القاص لأي حبكة أو قضية تستحق المتابعة سوى متابعة الهدوء الذي يسيل عبر قصصه وهذه ميزة وابداع فني كذلك.

 

        فمن الكلمات الغريبة في قصصه مثلا : رائح , سيماء , مأمأ , علم البطيخ وسفدا , البائنة , كرنفان , يفطفط , المغتومة ، الصقعة , مقعدته , وكان القاص مرات يخلط الكلام الفصيح مع العامي وعلى لسان شخص واحد مما يجعل هذا التركيب غير مستساغ كثيرا لا تجيب همها . وكما ذلك نراه في قصة (الزائر الصغير) حيث طفل يرسله والده الفقير يطرق أبواب الأعمام والأخوال والجيران لاستدانة ثلاثة دنانير حتى يقدمها الأب لوالده العجوز القادم من الضفة الغربية.. ربما  رقم  ثلاثة دنانير فيه مبالغة في قلة العدد .. فهل مع

المزيد


صالح القاسم قاصا

تشرين الثاني 15th, 2006 كتبها صالح القاسم نشر في , عروض كتب, نقد

القصّة القصيرة في الأردن: البدايات والرؤى
د. محمّد عطيّات

تجاوزت بعض القصص الأردنية في الآونة الأخيرة الزمن التاريخي الذي يمثل ذاكرة البشرية، ويسقط خبرة الإنسان على خط الزمن العام بثوابته وقياساته، كما تجاوزت الزمن الكوني الذي تميز بخاصية التكرار اللانهائية، ودخل في إطار المفهوم الدائري للزمن، وركزت هذه القصص على الزمن النفسي الذي لا يخضع لمعايير خارجية، أو مقاييس م

المزيد