عو .. رواية الحساسية المرهفة والجرأة والمشاغبة
تدور رواية عو حول كاتب نقي طموح يكتب للحرية والوطن والعدالة الإنسانية ، ولكن هذا الكاتب يلاحق ويحارب من قبل السلطة بشتى الوسائل لكي ينئني عن عزمه وعن مبادئه ، وتبدأ الملاحقة والتضييق على الكاتب ( أحمد الصافي ) منذ أن أصدر الجنرال أوامره عبر كلماته الأربع : " أحمد الصافي .. بدنا اياه ، ص 13 " ، وتنجح السلطة المتمثلة بالجنرال باحتوائه وتحويله كأنه كلب يحل محل كلب الجنرال يتمسح بذيوله ، ويدور حوله يلامس حذاءه لقاء ما يرميه من فتات الطعام .
يظل الكاتب (أحمد الصافي) في صراع دائم مع نفسه ، ومع زوجته كثيرة النوم التي اعتادت على طباعه وطقوسه الكتابية ، وبين ابنه فارس الذي أحبه منذ خرج من بطن أمه ، فالجنرال يهدده بإغلاق باب الدنيا في وجهه بفصله عن الوظيفة ، بفصل زوجه عن العمل ، يطرد ابنه فارس من المدرسة ، يتكرر هذا الضغط وهذا التهديد ؛ يتكرر أمامه كل يوم بعد انتظار طويل في قاعة الانتظار ( قبل بدء التحقيق ) الممتلئة بالجرائد من كل نوع للتسلية وتسجيه وقت المنتظرين أمثاله .
وقد بدا الجنرال في تدجين الكاتب أحمد الصافي باسلوب نفسي قاتل عن طريق الاغواء مرة ، وعن طريق التهديد مرة أخرى ، فمرة يقول له الجنرال : " لا أظن أنني مضطر أن أفعل ذلك باعتقالك مثلا .. بسجنك وتعذيبك ، فنحن أيضا لا نريد ان نجعل من أي منكم بطلا ... ولأنك لن تكون بطلا في يوم من الايام ، وهذا وعد قاطع مني ، فانني أنصحك أن تكون انسانا محترما على الأقل ، ص 14 "
وحوار العنجهية هذا ( الجنرال ) مع الثقافة ( أحمد الصافي ) ، يحدث بألفاظ منمقة لكنها تحمل تهديدا وضيعا جدا بأسلوب وضيع مكشوف وبخاصة لدى مثقف مثل ( أحمد الصافي ) : " هل أسأت اليك .. هل ضربتك مثلا .. وأنت تعرف أننا قادرون على ايذائك . ولكن ..بالمناسبة كيف أحوال العمل لديك ، إنني أتابع مقالاتك اليومية ، تستطيع أن تعتبرني متخصصاً فيك ، ص 14 – 15"
ويستمر الجنرال بالتحايل على أحمد الصافي يحيط به كما تحيط الاسورة بالمعصم مرة عبر باب وهم التقدير والاحترام والمثاقفة والاستنارة : " يا احمد أنت أهم بكثير مما تعتقد. كيف أدرك الجنرال ذلك ، كيف لم تكتشف أمه هذا ، يجب أن تكون في المكان المناسب ، إنك الآن أشبه ما تكون بنهر ضائع في الصحراء ، لنعمل سوياً وبصورة عملية من أجل مواطنينا، وإذا لم يدرك هذا إنسان وطني أصيل ، مثقف مثلك ، فمن سيدرك ؟ ، ص 107"
يعزف الجنرال على الوتر الحساس عند أحمد الصافي وهو حبه لمن يقدر كتاباته : " "إنني من قرائك .. أستطيع مثلاً أن أعيد عليك قراءة فقرات طويلة من مقالاتك . بدأ بتعداد عناوين المقالات المنشورة خلال شهر تموز ، فوجئ أحمد الصافي أكثر .. وحين بدأ الجنرال يتجاوز العناوين للدخول إلى ما هو أكبر منها ، كان أحمد الصافي فريسة للدهشة"، ص 48 ) .
ولا يتوقف الجنرال عن مد حبال الاغراءات للكاتب أحمد الصافي : " ما أردت قوله : إن بعدكم عنّا يفقدكم أدوات التنفيذ ، آلية التنفيذ ، ولأعترف ، أن غياب بعض العقول المستنيرة ، وبعدها عنا سبب مباشر أحياناً في وقوعنا في بعض الأخطاء.. بمعنى أنكم تتحملون نتيجة أخطائنا ، ص 73 ) .
ومما يساعد الجنرال على الايقاع بأحمد الصافي هشاشة الكاتب نفسه ، ورغباته المكبوتة في الامتيازات والمناصب " : صعد الدرجات باتجاه المكتب .. وثيراً كان .. دائماً كان يتمنى أن يحتله لساعات – لساعات فقط ، ويمسك زهرة الهدوء من عنقها .. كان يدرك أنه أكثر أهمية من رئيس التحرير وأكثر شعبية منه .. أما اذا نظر إلى المسؤولين عن الأقسام الأخرى فإنه أكثر أهمية منهم مجتمعين ، ص 31-32 ) .
وينجح الجنرال في اصطياد الكاتب ( أحمد الصافي ) حتى يوقعه في حبال ألاعيبه وبالفعل يتحوّل ( الصافي ) تدريجياً إلى شخص آخر ، يأخذ أوامره من الجنرال : " تذكر.. إنني أريدك معتدلاً .. وأن تبدو علمياً.. نحن بحاجة إلى كمان .. لسنا بحاجة على بوق .. ، ص 151 " .
وتستمر أوامر الجنرال الى ( الصافي ) حتى لا يعد هناك فرق بين الصافي وبين أي كلب من كلاب الجنرال ، يصبح مجرد كلب يقعى وينبح ويهزُّ ذيله ، دون أن يشعر أحد بفرق أو اختلاف بينه وبين الكلاب الأخرى : "أقعى والطوق محكم على رقبته.. نبح مرة أو مرّتين حين كان يسمع محّرك عربة يدار في الجوار، فبدا وكأن الكلب لم يغب عن المكان ، ص 174 ) .
ولا يقتصر الأمر على ملاحقة أعين الجنرال له طول النهار في الشارع، وفي العمل ، ولكن أيضاً في الليل ، فبعد أن يرجع إلى بيته يشعر بالظلال تتحرك خلف نوافذ بيت الجنرال ، ويرى الكلب قد استعد هو الآخر.
أحمد الصافي صارع الوجود أما إن يكون أو لا يكون ، أما إن يكون قاصا حرا وكتابا شريفا ، أو صحفيا أجوف يفرغ قلبه من كل مبدأ ، ويردد عواء كلب الجنرال.
وقصة " طفل الليلة الطويلة " التي كتبها، ها هو سعد البطل يحققها أمامه ويمثلها كما أراد لها أن تكون . يدخل سعد ورفاقه إلى إسرائيل . ينفذون العملية بجرأة بطولية ، ولكنهم في طريق عودتهم إلى بلدهم ، وبالرغم من نجاح العملية يلقي القبض على سعد ورفيقيه ، حيث يتمنى – القاص – الروائي ، أن يصبح هو بطلاً لقصته : : " لماذا لا أكون أنا أيضاً " طفل الليلة الطويلة " هل أنا ابن الليلة الطويلة فعلاً " .. عاوده الإحساس مرة أخرى بأنه لقيط ، ص 72 " .
في حين الطفل الذي قرأ قصته أستطاع أن ينفذ العملية : "أنا طفل الليلة الطويلة " إن هذه الروح المتفجرة هي ما يربطني بك ما أشعر أن الغضب يوحدنا ، ص 41 " ، حيث يخرج " طفل الليلة الطويلة" من إسار المؤلف ويقرر التحكم بأقداره ونموه – وقصته!
وعندما تلقى السلطات العربية القبض على سعد ، تعثر على القصة الملهمة ، في جيب سترته ! وعلى أثرها يمارس الجنرال طقوس خيانته المرسومة ، يضرب سعد ، محققا بذلك مخططات أمريكا وإسرائيل والدول الصديقة لدولته . لكن جذوة القومية العربية لا أحد يستطيع أن يطفئها ، حيث يدرك الجنود المرابطون على الحدود والذين قبضوا على سعد أنهم ألعوبة بيد الجنرال ، وأنهم خونة بحجة القيام بالواجب فيبكون . ويقع الجندي حميدان ضحية أخرى من ضحايا الجنرال . ويكتشف حقيقة وجوده على الحدود أنها ليست لانتظار المعركة لذلك يقتل نفسه وينتحر .
يظل سعد بطل قصة " طفل الليلة الطويلة " رمز الأمل والإنسان في الرواية ، ويظل مواظبا على قراءة ما يكتبه ملهمه القاص والصحفي صاحب القصة أحمد الصافي على الرغم من وقوعه في مخالب الجنرال . فقد ظل الجنرال وكلابه ينهشون به حتى أوقعوه ، حيث قبل الهدايا والمنصب الجديد ، فصار لديه سيارة ، وأخذ منزلا في نفس الحي الذي يقطنه الجنرال ، وتسلم مهمة رئيس التحرير ، لقد تغيرت أحواله تماما .
في البداية لن يكن يوقع اسمه على مقالاته صراحة ، لكنه لم يعد يهتم بعد ذلك ، ويتضح أمر خيانته للجميع حتى لزوجته كثيرة النوم ، و يتحول أحمد الصافي الكاتب الذي لا يخاف وكان مستعدا لذبح ابنه من أجل الحفاظ على مبادئه إلى كلب دولة نظيف لامع ومصقول .
يتذكر الصافي ماضيه. يبقى سعد بطل قصته يقض مضجع ضميره من حين إلى آخر وكلما تسلم رسالة منه . لكنه لا يستطيع أن يرفض أمر الجنرال مثل تسلم منصب رئيس التحرير، ولا يستطيع أن يرد له سيارته وشقته ، لقد مسخه الجنرال إلى كلب وربطه بباب بيته محل الكلب الحقيقي. ليحرسه ويدفع الخطر عنه صار يعوي مثل الكلب: عو.. عو.. عو.. عو.. : " أحس كل الناس ينظرون اليه .. أن كل العيون تصرخ به : كلب .. كلب .. كان يدور فقط ... عو ... نبح أحمد في وجهه مثل جرو : عو ...عو ..عو ...عو ..
ظن الطفل أنه يداعبه .
فأخذ ينبح هو الآخر ، وبعد لحظة أخرج جرو سلوقي رأسه من نافذة العربة التي يوجد بها الطفل وبدأ ينبح هو الآخر : عو ...عو ..عو ...عو .. حدق أحمد الصافي فيما حوله فزعا .... رأى المدينة ممتلئة بعشرات الألاف من الكلاب !! عو ...عو ..عو ...عو .. عو ...عو ..عو ...عو ..، ص 160 " .
وباتت شخصية أحمد الصافي ذلك المثقف المهزوم ، المثقف الهش الذي تعميه إغراءات السلطة وأوهامها وتفقده صوابه
إن هذه الرواية تعتبر من الروايات الطليعية في الوطن العربي بشكل عام . والأردن بشكل مميز وخاص . لأنها استطاعت بأسلوب جديد أن تكشف الكلمات الضائعة في شبكة الكلمات المتقاطعة والمعقدة للوطن . هذه الكلمات هي: كاتب، قارئ ، كلب ، جنرال ، رباعي بسيط جداً ، ولكنه يتحكم بصيرورة هذا المجتمع .
لم تكن الرواية تقليدية السرد ، ولا عادية العبارات ، والشكل ، فقد أظهرت الرواية أنها استفادت من أكثر من نوع من أنواع التقنية الرواية ، لكنها لم تكن تشبه أحدهما ، فكانت شكلاً جديداً ومضموناً جريئا ، كاشفا لرموز اللعبة وللعورات والحقائق .
وظهر بشكل واضح أن الرواية متأثرة بأسلوب كتابة الرواية عن الرواية. فهي تنقلنا من حين إلى آخر إلى قصة " طفل الليلة الطويلة " ، وظهر بوضوح تأثره بوليم فوكنر وطريقته المعقدة في المونولوج الداخلي ، وتقنيات فنية روائية مختلفة أكثرها وضوحا الغور في الأعماق ببساطة أعماق النفس البشرية وحساسيتها .
وبرأيي أن تميز الرواية وتفردها جاء من خلال قدرة الكاتب على تناول حوادث كان القارئ يعرفها مع نفي الحاجة لذكر مكان محدد وصفات أبطاله بشكل محدد . وبهذه الطريقة تمكن الكاتب من تصوير حالة انحلال المجتمع وانصياعه ولا حول له ولا قوة أمام جبروت الجنرال وتسلطه .
ولتوضيح ذلك أكثر . قد يعتقد البعض أن الرواية تدور في قضاء لا مكان محدد أو شخوص معينة ، يعرفنا الكاتب عليهم من خلال سرد أوصافهم الشكلية ، وتفاصيل معيشتهم ولكن كما قلت آنفا ، فالأحداث نعرفها تماما المعرفة ، وهذا ما اكده ابراهيم نصرالله في ملاحظته في مقدمة روايته حين قال : " أي تشابه بين هذه الرواية والواقع مقصود تماما باستثناء الأسماء ، ص 9 " ، ولو جاءت الرواية فعلا على غير هذا الشكل لدخلت في منحنى آخر لا تروق لنا كثيرا .
كل ما تناوله الكاتب كأننا نعرفه ، نحسه ، نعيشه ، لكننا لا نستطيع الكشف عنه ، مواجهته ومحاربته ، وهذا تؤكده الرواية حين تدخل إلى أعماقنا كاشفة المجتمع صفحة سوداء قاتمة بأسلوب حساسي جديد مرهف جريء جداً ومشاغب جداً .
كتبها صالح القاسم في 07:00 صباحاً ::
الاسم: صالح القاسم

