ديوان " دفاتر الغيم " للشاعر يوسف عبد العزيز
الحائز على جائزة الدولة التشجيعية
في البداية أحب أن أستعرض سريعا ما قاله الناقد العراقي الكبير الدكتور يوسف عز الدين عن أشعار يوسف عبد العزيز خلال نقده للقصائد التي ألقيت في مهرجان المربد. فقد نشر الناقد المذكور سلسلة مقالات متتابعة عبر صفحات مجلة اليمامة . ومن ضمن ما لفت انتباهي رفعه لقصائد إلى أعلى مرتبة ، ومسخه لقصائد إلى أدناها . ولا أدري ناقد مثل يوسف عز الدين لماذا يستهل مقالته بسؤال حول شعر المربد كلية حيث قال: " ولا أدري إن كان هو شعراً أو نثراً ؟ ".
وعندما يصل الدور إلى يوسف عبد العزيز يقول: " أمّا يوسف عبد العزيز من الأردن فقد خلط الكلمات وصفّها صفا دون أن يعرف ما يريد . ولعلّه يريد اموراً إنا لا نعرفها والمعنى في بطن الشاعر. وأستشهد بهذه العبارات (المقطع).
الهواء المغني يفك جدائله في الحقول
ويسند رأسـه على حجـر ويصغّـر
السحابـــــة الحمــــــراء
والســــــرور الأخضــــر
الوقـــت آخـــر الصيـــف
والمـــاء يلمـــع في عنــف
الأرض كالسيــــــــــف
هذه الكلمات يقول عنها الناقد يوسف عز الدين: " إنها كلمات ليس فيها إيحاء " ، وليس فيها رمز ، وليس فيها معنى . وجاء بأمور معروفة على البديهة . أضاع الشاعر قابليته الأدبية لأنّه بحاجة إلى الحس الشعري ، ولو درس موسيقى الشعر لوجد مكانا بين الشعراء المستجدين .
ويعمم هذه الأقوال على أشعار غسان زقطان، والشاعر خيري منصور ، وغيرهما . في حين يمتدح شعرا بقوله: " أمّا عبد المنعم حمدي فقد أسهم بقطعة جميلة منها هذا المقطع :
بيت طيني بثلاثة فتيان
الأول يهم أن يتزوج بامرأة من صنف العين
ويؤثثه ببنات وبنين
الثاني يحكم أن يفتح الدنيا من يثرب حتى بكين
الثالث يسأل
هل يحكم سكان بيوت الطين
ولا داعي لتجريح مثل هذا الشعر أو قرظه. لكنه شعر واضح الهدف والمعنى ، ولعلّ ذلك ما يركز عليه الدكتور يوسف عز الدين. لكن المدهش في الأمر أنّه يمتدح شعرا كتب بأسلوب تقريري وألفاظ مكررة بفجاجة تخلو من المعنى والموسيقى الشعرية . فقد كتب يقول: " وكان عبد الحميد بطاو أكثر رقة وأحسن منه إيحاء برغم بساطة العبارة والتقريرية ، فنظم العذاب النفسي الذي أحس به ، ولعلّه وصف حالة المجاهد الذي يعود من المعركة على خير الفروض :
حينما أقوم في الصباح
أغسل وجهي جيدا
بالماء والصابون
في كل يوم حينما أعود في المساء
نازف الجراح
أغسل وجهي جيدا بالماء والصابون
فأين الرقة وحسن اللفظ والإيحاء في مثل هذا الشعر ، وهو أقرب ما يكون إلى النثر. ولا أدري لماذا يشفع الناقد هذه التقريرية وهذا التكرار. في حين يخلع عن شعر يوسف عبد العزيز كل معنى وكل إيحاء . وأنه لأمر يدعو للدهشة أن يقع في ما وقع فيه الدكتور يوسف عز الدين وهو صاحب الشأن في ميدان النقد الأدبي .
ولست هنا بموقع المدافع عن شعر يوسف عبد العزيز ، لكنه شاعر له حضوره ، وله مكانته. وشعره كما يدق القلوب ، كذلك يلكز الرؤوس المطأطأة . ويثير فيها الوصول بعد أن كادت توهنه صراعات الخبز اليومي وسعيرنا اللاهث لاقتناء مباهج التكنولوجيا .
لعلّ الغموض الذي يلف شعر عبد العزيز هو سبب عدم فهم بعض النقاد . فهو يفجر الكلمات ، ويحاول تجريد الأشياء من غرائزها والباسها أو البث فيها معان جديدة قد تبدو غامضة للوهلة الأولى .
ونظرة سريعة إلى ديوان دفاتر الغيم نلاحظ ذلك بوضوح . وهو في شعره هذا لا يكتب الكلمات وإنما يرسمها رسماً، وكلماته لم تكن موحية وحسب، بل موجعه أيضاً ، وبأسلوب رومانسي تلامس إحساسنا المر .
وأنا أرى أنّ هذا الشعر ليس تجديدا أو جديداً بحسب ما هو متعارف عند النقاد ، ولكنه فعل كتابي خبزه الشاعر من عجينة القهر ومعاناة التشرد لحد الصعلكة.
فها هو يعيش في غبار مظلم يلفه من كل جانب ، إلاّ أنّه يرى كل شيء، وأفضل من كل الأوقات:
ألهذا الغبار المضيء
قدتني ذات يوم
ثم أسقطتني في الظلام
وهو لا يتحول إلى طاغية ، لكنه قوة كافية يمكن أن تنفجر في أي وقت :
ولكنني لست طاغية
أنا جمرة في فم الماء
والرعد صوتي الدفين
سرقوه، لم يعد يستطيع النوم ، دائم القلق. يتربص باللصوص
صار عندي
ثلاث نساء
وعشرون طفلا
كلهم يسهرون معي
في انتظار اللصوص
والأرض عنده دودة دون أمانيه ، دودة تأكل جسده ببطء :
وأشهد أنّ هذي الأرض دونك
دودة عمياء تسري
في لحاء جسدي
وصوت بيته إن لم يتردد في كل البيوت فهي صدئه:
صدأً على النجوم
إن لم يكن في البيت صوتك
في الشوارع والقصائد
والحياة
وهو عندما يصلي يشعر بماء وضوئه نارا. لكنه يطلب هذه النار ويتلذذ بها :
تنسل من
ريش النعام
أحتاج نارا للوضوء
الحرية خلعت عنه مصادفة ، وهي تعشعش في كل نافذة ، وتشتعل بها الأفئدة ، ويوما سينتحر البحر ويترك لهم الغرفة نظيفة حتى من أزهارهم :
والآن
تتكسر الأزهار في الغرفة
والبحر يترك موجه
ويفرّ منتحراً
إلى المرآة
والشمس تخلع عرشها
صدفة
إنّه يدعو إلى كسر جدار الصمت ، ويحرض عليه :
بللي الصمت يا كلماتي
وردّي إلى الظبي أقراطه
الضائعة
يبحث عن الحياة ، يريد أن يعيش بالحنان ودفء الذكريات :
أنا جمرة الثلج
ناي الحنين
وتفاحة الذكريات
ومن أجواء الديوان أيضاً:
أفتح النافذة
أنها الأرض مثل الحماقة
والثلج ينتظر العاشقين
وأيضاً:
ولكنني لست طاغية
لست سجان روح الحجر
أنا جمرة في فم الماء
ناعورة دائرة
في رياح السنين
كل شيء له شكل روحي
الخفيفة كالنار
ناعورة دائرة في رياح السنين ، لا يكلّ أو يتوانى حتى يحقق ما يريد ، لا يستريح أو يتوب كالذئب ، كالروح خفيفة لكنه النار:
إنّه الذئب لا يستريح
حتى يذوب
إنّه لا يتوب
يتألم وحده. يذوب حسرة ولا صدى لكلماته ، أو إثارة :
لم تعد كلماتي تثير
شهوة الجلنار
لم يعد في إناء الحرير
غير فاكهة
من نبيذ ونار
لكنه يلتقط أمانيه وأحلامه نتفاً نتفا ، مثل الطفل يتسلق الأشجار يبحث في أعشاش العصافير:
صرت طفلا
وصار الفضاء شجرة
وعصافير منتشرة
وأنا أتسلل بين الغصون
لاصطاد أعشاشها
إنّ يوسف عبد العزيز في ديوانه هذا يرسم كلماته رسما كما ذكرت آنفا ، لكن على الرغم من هذه الفنية العالية ، وتفجير كلمات بمعان جديدة .
وأرى أيضاً أن تركيز الشاعر الشديد في خلق قصيدة خاصة به تتمتع بفنية عالية من حيث الشكل أدى بشعره إلى ضعف موسيقاه أحيانا ، وهي من أهم عناصر الشعر. فكان الشكل في مكان رفيع على حساب المضمون والموسيقى الشعرية. ومن أمثلة ذلك:
دخل البحر كهفا بعيدا ونام
والفــــراغ
فكلمة والفراغ كانت كأنها منسلخة تماما عمّا قبلها وعمّا بعدها. كذلك:
غير أنّ العصافير ظلّت
و "غير أنّ" لا تخلو من الموسيقى وحسب ، لكنها تعمل إلى خلل واضح في هذا الشأن. كما أنّ الشاعر جاء ببعض الاستخدامات العامية ، ومثال ذلك كلمة : " صدفة " في قصيدة صدفة . ففي العربية الصحيحة (مصادفة ) . ومن أمثلة ذلك أيضاً:
تستحمين في عزّ تموز
فكلمة عز يستخدمها العوام
لكن فيما يبدو أن بحث الشاعر عن التجديد جعله لا يلتفت الى بعض قضايا اللغة ، غير أن عبدالعزيز يبقى من اعمدة الشعر الاردني وبخاصة في فترة الثمانينات وبداية التسعينات ، ولا يزال في غمرة العطاء .
دفاتر الغيم ، يوسف عبد العزيز ، بيروت : المؤسسة العربية ,1989
كتبها صالح القاسم في 11:16 صباحاً ::
الاسم: صالح القاسم

