.. بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ... اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ {1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ {2} اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ {3} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ {4} عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ {5}
 

 
 
 
 
ليش ساكت ما تحكي

اذا ظليت ساكت ستخرب الدنيا بزيادة

الإثنين,شباط 04, 2008


"الوجوه" ... قراءة نقدية 

        في كتابه القيم "مسلمات في ضوء التحقيق" يقول إبراهيم العجلوني في البحث عن فارق رئيس بين القصة والرواية: " إن القصة منوطة ( بالموقف ) سواء طالت أم قصرت ، والرواية منوطة ( بالشخصية ) ، سواء أطالت أم قصرت كذلك . ويضيف في مكان آخر: إن الروائي الناجح هو الذي يتعامل مع الحياة مباشرة ، ولا يفلت شيئا من جزئياتها ، ووقائعها وهو الذي يخلص بنا من خلال شخصياته والأحداث التي تعصف بهم إلى فهم أدق وأعمق لها ".

        ولا اقتطف هذا من مقولات العجلوني لمناقشة هذه الآراء، فهي من البساطة والوضوح لحد الاعتياد ، لكن الذي ساقني لمثل هذه المقدمة لأنني بصدد دراسة " الوجوه " المحاولة الروائية التي صدرت عن دار الكرمل بعمان .

        هذا من جهة ، ولأنني جد أبحث عن تسمية حقيقية لـ " الوجوه " هل هي قصة قصيرة طويلة لكثرة المواقف التي اشتملت عليها ، ولأنها لم تؤكد على الشخصيات من حيث التحليل العميق لنفسياتهم ، ومسوغات تصرفاتهم وتحركاتهم أثناء البناء الدرامي ، أم هي جمعت ( حال الوسط ) بين فنون القصة القصيرة سواء طالب أم قصرت ، والفن الروائي سواء أطال أم قصر كذلك .

        رواية " الوجوه " تستحق منا كل هذه الأسئلة ، وتستحق منا الوقوف عندها ودراستها ، فهي تجربة فريدة وجديدة على الساحة الأدبية الروائية في الاردن ، وهذا ما جعل الأديب إبراهيم العجلوني لا يملك الجرأة بإطلاق تسمية متداولة كرواية مثلا، واكتفى – تواضعا – بإطلاق التسمية " محاولة روائية " على " الوجوه " فماذا تكون هذه المحاولة ؟.

        سأتناول " الوجوه " بطريقة تستند إلى ركائز يمدها النص نفسه. وأول ما أتناول العنوان . حيث يتبادر للذهن أننا بصدد قراءة رواية تشتمل على وجوه عديدة ، وتدفعنا الرغبة لمعرفة هذه الوجوه ، هل هي وجوه آدمية عادية ؟ أم نحن بصدد وجوه من نوع آخر ؟ .

        "... إنك تجاملني كما تجامل الآخرين. ولعلك تجامل نفسك أيضا . وتخنق روحك تحت ركام من المجاملات ، أننا في عالم غير حقيقي ، وأنت دليلي على ذلك ، فما نراه هو الأقنعة فقط ، أما الوجوه فيرحم الله أباك..".

        هذا ما قالته " ورود " للشخصية الرئيسية ( البطل ) والذي هو بدوره يسأل في نهاية الرواية " هل نحن حقا في عالم غير حقيقي؟ ".

        ولعل في هذا الاقتباس المأخوذ من أجواء الرواية هو ملخص لفحوى الرواية العام . فهي تؤكد من أولها وحتى آخرها أننا جميعا نعيش بأقنعة مختلفة ، تتشكل بأشكال وألوان متعددة دون أن يكون هناك ما يسوغ هذا التشكيل . وليس حسبه هذه الظروف والبيئة المحيطة بهذا القناع أو ذاك. " كأنما هو نهر في خريطة مهترئة ".

- " نحن .. مواسير مياه "

- " اسمعوا .. نحن سيارات خردة ".

        وينسحب هذا على معظم الوجوه: ممدوح، وعبد العزيز ، وخميس، وسهام ، وورود ، ومتعب ، وماجد وزوجته البدينة ، وأبو عثمان ، وإسماعيل ، والشيخ الوقور.. الخ ، فكل واحد من هؤلاء له مواقف ، أو بمعنى أصح أقنعة فعبد العزيز الشيق ، غير المكترث، والذي يعدل كل مؤتمرات الدنيا بكأس ويسكي واحد . والبطل يظن " أنه قادر على أن يبصق في وجهه ". و ( سهام ) تقول عنه : " لقد خدعتني بوجهك الطفولي " ، فهي التي تكشفت زيفه ، وتهافته ، وموات روحه ، وكل ملامح النبل ما تلبثت أن تتساقط مثل قناع شمعي في وهج الشمس .

        و " إسماعيل " والرفيق الفصيح ، والمدير الفصيح الذي يكترث ، والمدير الذي لا يكترث بالإنسانيات البشرية ، و ( خميس ) الصادق الشجاع ، ساذج وجريء على قول الحق بعفوية غير متعمدة . و(أبو عثمان) صورة النقاء والذي قاتل من وازع ديني ، ومعلم الرياضيات الذي جن بسبب الحب. ( سهام ) تتهم الشخصية الرئيسية (البطل): " لن تفهم امرأة طوال.. حياتك " ، وتارة تتهمه بالجنون ، وهي المثل الكامل على السقوط والغواية . " سرعان ما تحولت إلى أفعى تتلوى، وتلفح وجهه بفحيح ناري ". والوجه الوقور الذي غاب مخلقا بعض  أمل بانقشاع ضباب النسيان ".

        كل هذه " الوجوه تحاصره من كل مكان ".

        وننتقل من سطر إلى آخر، ومن صفحة إلى أخرى، تتابع بشغف ماذا سيحدث لهذه الأقنعة " كانوا موقنين بأن في استطاعتهم تغيير العالم، وبأن المسألة في دائرة الممكن السهل ، " سنوات حية زاخرة ويبزغ الفجر الذي يريدونه " .

        هذه أحلام الشباب في سني المراهقة ، لكنها تحولت وجوههم إلى أقنعة فقد "ناهبت الأرض الأصدقاء بحثا عن الفرص الضائعة أو عن الخبز المعجون بالغربة والذل وخراب الروح ".

        هذا هو محور الرواية، هذه الوجوه وعدم ثباتها على قناع واحد ، باتخاذها مواقف متعددة ( أقنعة مختلفة ) . دون أن يرد في الرواية ما يبرر هذه التصرفات إلا ما ذكر بصورة إجمالية " مظاهرات في نابلس، القوات العراقية تحبط هجوما إيرانيا جديدا ، سيدة فرنسية تنجب قرداً . مجلس الشعب يناقش مشاريع الإصلاح الزراعي.. الخ .

        وتنتقل بنا الرواية من مقطع إلى آخر دون ترتيب واضح ، وأحيانا في المقطع الواحد ، كأنها تقفز من مشهد إلى آخر ، وأحيانا إلى مشهد يعود إلى زمن أسبق . ليتم تقديم الحديث تقديما روائيا بطريقة " الفلاش باك " وفي كل مشهد أو مقطع كانت قفزاته تعطينا بعض التفاصيل لتربط وتنظم موضوع الرواية ككل .

        وعلى الرغم من هذه القفزات لم يكن هناك تناقضات بالمقاطع السابقة مع اللاحقة . فقد كانت جميعها لهدف الرواية، رغم عدم ثبات الشخصيات وتقلب الوجوه.

        وتستمر الرواية في النمو، مع ذكر الأحداث – أحيانا – على صورة مختصرة وإجمالية ، لكنها تحمل أبعادا بعيدة المعنى والتأثير " مظاهرات في نابلس ". ومن ذلك قول إسماعيل لدى سماعه نشرة الأخبار: " تكفينا الموسيقى نحن نحب الشكل لا المضمون ".. في حين ، في مواقف أخرى تتعمق المأساة من خلال الحوار بين الشخص ( الوجوه ) :

        قال إسماعيل:

        - ما رأيك بكتابة قصة؟

        قال راتب بفتور:

        - عن ماذا؟

        قال إسماعيل:

        - عن أي قضية مصيرية مما يشغل الناس هذه الأيام .

        قال راتب متبرما :

        - أنت والله فاسق ، وسكوتك أولى .

        فتردد كلمات مثل فاسق ، وقضية مصيرية عن هذه الوجوه كاف لفهم تقلب الوجوه ، والتباسها بأقنعة واهمة .

وونجحت الرواية أيضا بالمزاوجة ما بين المشاعر الإنسانية والمشاعر الطبيعية . بحيث جعل الوصف الطبيعي مجملا للأحداث نفسها ، فقد جعل العجلوني الأقنعة تحاكي الطبيعة ، والواقع :

" لدى وصوله عائدا إلى " جسر النشا " حانت منه ، وبحركة لا إرادية التفاته إلى الجانب الأيمن من الطريق الذي شق حديثا. كانت هناك عشرات الأكواخ ، والمنازل الخربة . يلقي عليها الليل غلاله من ذكرى طالما اعترته ، وهو " يختلف إلى الهاشمي الشمالي.. ".

        ... "كانت المدينة تعفى في تحولاتها السريعة على البقية الباقية من مخيم المحطة ، وكانت معالم الجهة الجنوبية منه قد اندثرت بفعل بلدوزرات الأمانة ".

        ونبقى مع الراوي في كل كلمة يقولها ، سواء بلسانه ، أو على لسان شخصياته ، عبر هذه النصوص المتسابقة ، المتقافزة ، وتصب في نقطة واحدة ( الوجوه ). والمتمعن جيدا يجد أن هذه النصوص نفسها هي التي كانت تشد أجزاء الرواية بعضها ببعض . وقل أن نجد ذلك في روايات أخرى .

        ومما يلفت النظر هنا أن الكاتب يستخدم لغة تبدو سهلة بسيطة، لكنها في الواقع منتقاة بعناية ، ودون أن يشعرنا أنه بذل مجهودا في ذلك . وبعضها منتخب على نحو ذكي تشعرنا بإيقاعها وهي تقوي معنى الألفاظ الحرفي .

        ويظل الكاتب – كما عهدناه ، مثالاً للتواضع . فلا يطلق على عمله إلا " محاولة روائية " ، وأنا أراها قد جمعت بين أسلوب الفن القصصي القصير (المواقف) والرواية الطويلة (الشخصيات). وهي بذلك تكون تجربة فريدة ومتميزة تستحق عناية النقاد والقاريء معا .



في12,شباط,2008  -  07:40 صباحاً, مجهول كتبها ...

ولا تعليق شو السيرة