ليلة الريش رواية الأدب الرفيع
كتبهاصالح القاسم ، في 25 شباط 2007 الساعة: 08:26 ص
أستضيف هنا ما كتب عن رواية الصديق الكاتب والروائي الكبير جمال ناجي ، وذلك لأهمية روايته ( ليلة الريش ) ، فهي رواية بحق تستحق أن تكون رواية العصر ليس لأنها تتحدث عن المال والثراء ، ولكن لأن هذا العصر هو المسيطر الآن ، وأعتقد أن هذه الرواية لو تم حشوها بقصص الشذوذ الجنسي لنالت من الشهرة أكثر من رواية عمارة يعقوبيان ، ولكنها أي رواية ( ليلة الريش ) رواية راقية بكل معنى الكلمة : من حيث اللغة ومن حيث المضمون ناهيك عن اسلوب كتابتها أيضا ، وهي مكتوبة بلغة الروايات الرفيعة المستوى لا بلغة الخمارات وغرف الرذيلة الخلفية ، بعكس رواية عمارة يعقوبيان فرغم انها تتناول عالم المال والفساد الا ان تركيزها انصب على الشذوذ وبخاصة ما بين الرجل والرجل وهو ما جعلها قبلة الباحثين عن الشهرة والغنى السهل السريع تماما مثل ابطال الرواية نفسها ، فالذين قاموا بالترويج للرواية وعمل فلم عنها هم امتداد لشخصيات الرواية نفسها الذين كانوا يتحدثون بلغة واحدة ، اللغة التي دلت على أن الانسان من السهولة أن ينساق الى الهاوية تحت ضغوط الحياة ، وتظهر الرواية أيضا الجانب البشع من البوليس المصري ليس بقصد فضح اساليبه ولكن بقصد تخويف المصريين من مغبة الدخول في المعارضة وبخاصة الاسلامية منها .
أما رواية ليلة الريش فهي للانسان والحياة ، ولذلك لا بد للغتها أن تكون راقية وشفافة ، وكان بامكان الرواية أن تتسع لشذوذ رجال المال ، لكن لا مجال عند الروائي جمال ناجي الا للأدب الراقي ، وليلة الريش لو يلتفت اليها منتجو الافلام لأخرجوا منها فيلما عظيما يكون موضع حديث الأجيال
جمال ناجي يقتحم عالم البنوك والصيرفة كمكان خصب للرواية والسرد
خليل قنديل
تكمن قدرة الراوي عادة في ملكته الخاصة باجتراح أمكنة جديدة لم تطرق بعد، وفي الشخوص الذين يمكن تخليقهم من معطى هذه الأمكنة، وفي تداعيات اشتباكات العلاقة ما بين هؤلاء الشخوص والأمكنة المستحدثة حبرياً في سرد الراوي. التي يقودها سارد النص بعينه الثاقبة والحافرة نحو الورق والقراءة. كي تعاود إنتاج ذاتها وشخوصها من جديد، في القراءة، وفي الأثر الذي يمكن أن تتركه هذه القراءة عند القارئ.
الروائي الأردني جمال ناجي امتلك قدرته الخاصة في مقارعة الامكنة النيئة والطازجة، واقتيادها نحو حبره وكتابته في أكثر من رواية، حيث نلحظ هذا الكد عند ناجي في منتجه الروائي الأول "الطريق إلى بالحارث" 1982الذي امسك من خلالها بمنطقة بالحارث النائية في اطراف الجزيرة العربية وشجر من خلال هذا المكان الذي عانى من صحراويته العديد من الأحداث الجارحة في شخصية المعلم بطل الرواية.
أما في روايته الثانية "وقت" 1985، فقد امسك ناجي بالذات الفلسطينية التي تقترح مكانها الموجع من خلال التهجير القسري الذي عاشته هذه الذات مثلما امسك بالتداعيات الموجعة في المكان المقترح "المخيم".
وفي روايته الثالثة "مخلفات الزوابع الأخيرة"، ينحت ناجي مكاناً طازجاً على اطراف المدينة، هي عمّان، ويتتبع ناجي هذا المكان، عبر أكثر من حقبة زمنية يصوغ خلالها ويشيد المكان وشخوصه من جديد.
أما في "الحياة على ذمة الموت" 1993فيذهب ناجي نحو اختراق الهزة الاقتصادية التي اصابت الاقتصاد الأردني، خلال الثمانينات وشخوص وأساطين هذا الارتباط المائي، الذي تمثل في شخصية "الضبع".
لكن اللافت حقاً في تجربة ناجي الروائية بمجملها هو اقدامه مؤخراً على إنجاز روايته التي صدرت حديثاً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر والموسومة بـ "ليلة الريش" التي اكدت ما اشرنا إليه سلفاً عن "جمال ناجي" من حيث قدرته على اجتراح امكنته الجديدة، وشخوصه الجدد، الذين يؤكدون شرطية حضورهم واختلافهم مع اختلاف المكان ذاته.
إن جمال ناجي يذهب في "ليلة الريش" إلى فعل جديد، وأمكنة جديدة، ومناخات يمكن الجزم بأن الرواية الأردنية بمجمل تاريخها وربما العربية أيضاً، وهي عالم البنوك والصيرفة كمكان للرواية والسرد، لم تتطرق لها، ولم تغامر باقتحام سراديبها وتعرجات تكوينها، وربما من هنا تأتي خطورة الكتابة الروائية من هذا المناخ. والمغامرة ضمن هذا الطرح تأتي في مكنة صناعة رواية مغمسة بجفاف الاقتصاد وارقامه العدوانية الجارحة.
إذ إن التحدي الذي واجهه "ناجي" في "ليلة الريش" يكمن في قدرته على كتابة رواية الاقتصاد القادرة على كشط كل سماكات الجفاف التي يولدها الفعل الاقتصادي القائم على ترقيم الإنسان وفعله وحركته واعتقاله في مساحة الربح والخسارة والنفاذ إلى الشخصيات التي تصنع هذه الجلافة الرقمية للمكان "البنك" ومن ثمَّ انسنتهم، وقد استطاع ناجي أن يؤنسن الاقتصاد كي يصبح مقروءاً ويمكن أن يخضع لسلطة الإبداع الروائي، وقدرة هذا الإبداع على ترويض المكان وشخوصه. وفي الدخول إلى المناخات التشيدية للنص نلحظ أن لا انفصام على الإطلاق ما بين المكان والشخوص في ليلة الريش.
حيث نلحظ ومنذ المطلع الأول للرواية حضور "عامر الحاوي" موظف البنك الذي يقود انقلاباً نقابياً لموظفي البنك، طوال الزمن الممتد داخل الرواية وهو يدخل كحالة مؤنسنة إزاء مبنى البنك الصلد بزجاجه وواجهته، ذات القواطع الرخامية: "لو وقفت على شرفة بيت (عامر الحاوي) ونظرت غرباً، لرأيت جسماً هائلاً ناهضاً من الأرض باستقامة وقسوة ولرأيت أن الأجسام الأخرى القريبة اصغر من أن تلتحق به أو تشبهه. لن ترى أكبر من البناية الذهبية حين تنظر من تلك الشرفة نحو الغرب، ومهما كانت الأجسام والأشجار والعمارات التي تعترض مجال رؤيتك فإن جزءاً من البناية سيبدو أمام ناظريك، معلناً الوجود الصلد لذلك الجسم الهائل. ص (5).
منذ الصفحة الأولى يدخلنا ناجي في مكانه الهائل والصلد "البنك" يدخلنا ببراعة من احتمال وقوف القارئ على شرفة بيت "عامر الحاوي" الشاب السارد الخفي للنص، والمقاوم لهيمنة المصارف ولقدرتها على امتصاص دم العاملين فيها من خلال تحويلهم إلى ما يشبه الأرقام.
"هكذا علمهم البنك، هكذا طالبهم، عبر دورات العلاقات والتسويق التي تعقدها دوائر التدريب، تلك الدورات التي يحرص المحاضرون في بدايتها على قيافة الموظف، وحسن هندامه، وابتسامته الهادئة التي لا يجوز أن تبلغ حدود الضحك، ثم ضرورة ضبط اعصابه، والحديث بصوت منخفض لكنه مسموع وامتداح الآخرين بغرض كسبهم" ص20.
إن البنك "كمكان اصيل في ضخ خصوبة الشخوص، وتألقهم السردي في "ليلة الريش" يبدو كالديناصور الذي يمتص ويهضم، لا بل يصهرج كافة الشخوص.
كان البنك يمتلك سره المؤسسي الخاص، الذي يمنحه قوة دفع واستمرار غامضة لا يعيقها خروج الأفراد أو فصلهم، كان اشبه بمركبة هائلة، تسير مئات بل آلاف العجلات التي تتجدد من تلقاء ذاتها حتى لو اصاب بعضها العطب" ص
37.لكن هل تقبل الشخوص هذا الابتلاع، أو هذه المصادر؟
بالطبع لا، إذ نحلظ أن "عامر الحاوي" وهو أحد الشخوص الرئيسية في الرواية، يقود انقلاباً نقابياً من زملائه الموظفين في البنك، برغم هشاشة الرومانسية في علاقته مع "واحة"، لكن وإن كان يقبل الانكسارات الهامشية لمسار حياته الذاتية، إلا أنه يشكل حالة نقابية صلبة إزاء مصادرة نهج "البنك" لحقوقه ولحقوق باقي الموظفين، إلى درجة الاقتراب من نجاح هذا الانقلاب، وفتح باب المفاوضات مع إدارة البنك، وتحقيق العديد من المطالب.
لكن ما يقابل كل هذا هو رأس البنك وعقله المدبر "الحاج" الذي استطاع ناجي، أن يقدمه للقارئ، بطريقة لا تخلو من قسوة الكشف والتعرية، ففي الوقت الذي يقدم لنا فيه الحاج كسلطة تامة وماحقة لكل من يخالفها، أو لكل من يعتقد أنه يمكن أن يؤثر على البنك وحضوره في عالم الاقتصاد ورأس المال، فإنه من جانب آخر يكشف عن الحمق الكامن في شخصية الديكتاتور وحاجة هذه الشخصية لممارسة جوانبها الإنسانية سواء مع الزوجة أو الابن رجب أو مع الحبيبة "كلاوديا" التي تظل تستنهض روحه نحوها.
لكن الجسد الذي يقاد نحو كهولته الغامضة، يتفتق عن خرق خاص إلى الدرجة التي يضطر فيها إلى ابتكار أو اختلاق شخصية المرأة البصارة التي تقرأ له حظه.
لكن هل يكتفي الرجل الذي يوازي البنك في صلادته وقسوة أرقامه وأرباحه بهذا؟ إن الإجابة التي يقودنا اليها ناجي حول شخصية الحاج وتداعي كهولتها تتمثل في حالة تشير إلى أن صاحب رأس المال حين يفقد قدراته الجسدية المتناقصة أمام قدرته المالية، يقوم بقتل كل شيء، حتى إطلاق النار على الطيور وأشجار السرو. أي الاعتداء على الطبيعة الأم: "كان المساء مبلولاً برذاذ شتاء متسخ، بينما تختبئ الطيور في اعشاشها بطمأنينة متوارثة، وفي لحظة خارجة عن توازنه الذي عرفته المدينة بأكملها، اطلق نيران رشاشه، لأول مرة في حياته نحو تلك الاعشاش - التي قذفت الأبدان النازفة لصغار البوم وكبارها، ثم الحقتها بالريش المدمى، وكتل القش المبلل بالماء والدماء، في حين انهال غصن غليظ قرب رأسه، فتفاداه غير عابئ بشيء" ص265.
ويستمر الحاج بقصف مهاجع اليوم إلى أن يقول: "لا داعي للشؤم، لا داعي لبقاء الأشياء مثلما كانت قبل خمسين عاماً، من الآن وصاعداً لا اريد رؤية هذا السرو الذي يؤوي الخراب ويحجب شمس النهار عني" ص265.
إنها ليلة الريش، وليلة قتل طائر البوم، الذي يعشعش وصغاره في سرو حديقة القصر، وهي الليلة التي يدرك فيها مؤسس البنك، أن الخيبة والشقاء إنما يكمنان أصلاً في الجسد الإنساني الذي لا يمكن أن يمتلك ديمومة المال، هذه الديمومة التي تنتج ابنها الخاص، "رجب" ابن الحاج الذي يبدو بعقليته الاقتصادية المتفتحة على العالم أكثر شخصوص الرواية ربحاً، وهو الذي تسلم التقرير النهائي عن عامر الحاوي وجماعته وضحك متسائلاً إن كان ثمة بقايا لمخلوقات رومانسية في زمننا الحاضر. وفي الحديث عن رجب نقرأ: "كان أكثر تحفزاً على وشك الوثب، وما كان دعمه الخفي للهيئة إلا جزءاً من خطة مركبة تجاوزت أفكار ابيه وسواه ممن استغرب أن تكون لأذهانهم حدود متكاسلة عاجزة، عاجزة عن شق المسارب المفضية إلى ورشة العالم الجديد. ففي حين انشغل الحاج وادارته عن قضايا الموظفين والديون المتعثرة ومؤامرات المتنفذين، وفي حين انتظرت البنوك الأخرى بتحريض، ما ستسفر عنه معركة البنك مع تلك الهيئة ومن وراءها، فقد كان يخطط لما هو ابعد من تلك التخوم المحلية المقيمة في ذهن الحاج، وكل صانعي القرار في تلك البنوك النزقة أو المترهلة.
إنه رجب الذي استطاع المطالبة النقابية بالتعويضات. واغراء العديد من موظفي الحمولة الزائدة في البنك على الاستقالة. وهو أيضاً "رجب" الذي استدل على "واحة"، التي احتل وجدانها بأمواله وهداياه، دون أن يتزوجها.
"واحة" خندق الحب الأخير لعامر الحاوي.
إنه الرابح الوحيد "فرخ" رأس المال الذي اكتسى بريش صغار طير البوم المبللة بالدم، كي يعيد سرد الحكاية من جديد، حكاية البنوك، وقسوتها الباردة، في إدخال الإنسان وترقيمه داخل أجهزة الكمبيوتر، وفي الالتماعة المرتعشة لشاشاتها.
إنه الرابح الذي شكل خسارة عامر الحاوي الذي اعتقد أنه بامكانيته المتواصفة في القدرة على سرد الحادثة حبرياً قد ربح ولم يدان "رجب" هو الذي سيعيد صياغة الناس وحياتهم من جديد بقسوة إجرائية بينة وواضحة.. لا تشبه الكتابة على الإطلاق. وإنما تصنعها، وليس بمثل ما فعل جمال ناجي بالضبط!.
الموقف الادبي اذار 2005
ليلة الريش) رواية جمال ناجي مساهمة نوعيةفي الرواية الأردنية ـــ د.سليمان الأزرعي ـ الأردن
أنجز الروائي جمال ناجي عدداً من الروايات والأعمال القصصية التي تابعتها جميعاً. وبدأها في (الطريق إلى بلحارث) عام 1982، التي لخص فيها معاناة موفد شاب إلى المملكة العربية السعودية، حيث واجه هناك شتى صنوف المعاناة، ليس بسبب الغربة وحسب، وإنما أيضاً بسبب تحدي التكوين الاجتماعي والثقافي للمحيط الجديد، الذي وقف وجهاً لوجه أمام النموذج البشري الوافد على هذا التكوين، والذي جاء إليه حاملاً معه منظومته الخاصة، ومفردات إنسانيته التي راحت تتداعى مفردةً تلو أخرى بسبب الهجوم الطاغي للتشكيل الاجتماعي الجديد. ثم أتبع(تلك الرواية بروايته (وقت) و(مخلفات الزوابع الأخيرة)، التي راقبت تحولات جانب غير معمور من المدينة، لكن تطوُّر ذلك التجمع البشري الذي يقطنه نقل المكان من حالة إلى حالة، وبدوره انتقل الإنسان أيضاً.
عام 1993، أصدر جمال ناجي روايته (الحياة على ذمة الموت)، التي لم تستقبل كغيرها من أعمال ناجي في الأوساط النقدية.. فقد كانت الرواية صادمة وجافة وأبطالها بلا مشاعر. ذلك أنها تحركت في وسط مجتمع المال والأعمال. المجتمع الذي لا متسع للمشاعر فيه.. فكل فعل ينبغي أن يعود بمردود مادي أو مصلحي. حتى الحب، والصداقة، والزمالة، وربما الأبّوة.. كانت (الحياة على ذمة الموت) بمثابة اسكتش أو بروفة لأكبر أعمال ناجي الروائية (ليلة الريش). التي تشكل بنظرنا عملاً نوعياً بين أعمال ناجي، وبلا أدنى شك، هي عملٌ نوعي روائي أردني، بَذَل فيه المؤلف جهوداً استثنائية على مختلف المستويات.
ولقد ظلت الرواية الأردنية قروية المرجعية في تناولها للمدنية. وتتبدّى تلك القروية من خلال النماذج والشخوص وطبائعها ومواقفها من الحياة المدينية التي تنطوي في الغالب على موقف عدائي أو غير ودّي من مركّبات الحياة المدينية. ولا ترفض الشخوص مفردات المدنية لأنها تنشد مدينة أخرى، بل ترفضها بالاستناد إلى مرجعية قروية لا تتقبل حياة المدينة بتعقيداتها، وتنظر إليها نظرة لا تخلو من الرفض المسبق والضيق بمنظومة المدينة بالكامل..
نحن هنا نتحدث عن ظاهرة حقيقية يمكن للباحث والناقد أن يتأكد من وجودها الحقيقي، وتعبّر عن حقيقتها في خمسة وتسعين من كل مئة عمل روائي أردني.
وربما يكون لهذه الملاحظة النقدية أساسها النظري. فقد شهدت المجتمعات العربية عموماً والأردن على وجه الخصوص انتقالة اجتماعية سريعة ومباغتة في حياة الجيل الواحد. بسبب ذلك التسريع المقصود لإلحاق مجتمعات الشرق وتهيئتها لتقبل فعاليات السوق الجديد في أعقاب الحرب العالمية الأولى التي وضعت نهاية للصراع القائم بين نمطي الإنتاج السائدين في العالم، النمط الإقطاعي ممثلاً بالإمبراطورية العثمانية البالية، والنمط الرأسمالي الصاعد بأثر قوانين التطور التاريخي ممثلاً بالدول الرأسمالية الغربية والولايات المتحدة فيما بعد.
ومن المعروف أن تلك التطورات التي تقف وراء كل الظواهر الاجتماعية والإنسانية لا تجيء في العادة بشكل خاطف. لأن حركة البنية الاجتماعية لا تعرف المفاجآت على مستوى تطور نمط وأدوات الإنتاج، بل تأتي في سياق حركة بطيئة في أي مجتمع يعيش قوانينه الموضوعية الداخلية في ظل التطور الطبيعي. وقد تعيش أجيال وتموت أجيال قبل أن تستكمل الظاهرة الاجتماعية شروطها الطبيعية. وهذا ما يصدق على مجتمعات الغرب الصناعي الذي عاش تحولاته الطبيعية ضمن حياة العديد من الأجيال. إلا أنه لا يصدق على مجتمع الشرق الذي تم نقله وتأهيله وإلحاقه بشكل مدروس في حياة الجيل الواحد تقريباً. فخرج المجتمع من تشكيلة الفروسية الرعوية (البداوة) والزراعية إلى تشكيلة المؤسسة ذات الطابع المدني دون أن يصبح الإنسان مدنياً. وهنا يكمن تفسير الكثير من ظواهرنا الإنسانية والاجتماعية، بما فيها الظواهر الإبداعية، وما أشرنا إليه هو أحد تلك الظواهر. وهو الذي يحول دون إنجاز رواية مدينية بكل ما في الكلمة من معنى.
إن عالم المال والأعمال الذي قدمه جمال ناجي في (ليلة الريش) ـ بوصفه أحد أبرز مظاهر الحياة المدينية وهو الذي يتحكم في مصائر الناس ومستقبلهم وسياسات بلادهمالداخلية ـ ظل غائباً في الرواية الأردنية، وينظر إليه من الخارج بعين قروية ساذجة لا تهدف إلاّ تعريته والحديث عن تشوهات الأنماط الغارقة في هذا الحقل، ممن تتعارض مسلكياتهم ونظم تعاملهم الخالية من العواصف والمشاعر ولا تركز إلاَّ على المنفعة والعوائد، تتعارض مع القيم المثالية التي حملها الروائي المبدع وأبطاله من مرجعيةِ وموروثِ قراهم.
والغريب أيضاً أن الأعمال الروائية الأردنية التي حاولت أن تقترب من هذا الموضوع أو تتوغل فيه، لم تلاق الاستحسان والإقبال الذي لاقته أعمال أخرى للروائي نفسه.
لم تكن رواية (المدير العام) لزياد قاسم مفهومة للقارئ وللناقد الأردني بمقدار ما كانت عليه (أجيال الزوبعة)، رغم أن الأولى تمتلك من داخلها وزناً نوعياً لا يقل عن (الزوبعة) بأجيالها من جميع الجوانب إن لم تزد.
كما أن آخر أعمال الراحل مؤنس الرزاز (ليلة عسل)، التي اقتربت من هذا العالم الذي نتحدث عنه، لم تستقبل هي الأخرى إلاَّ بفتور مستهجن في الأوساط النقدية.
أما رواية (وجع الحاضر) لحيدر رشيد، التي دارت أحداثها في هذا الموقع تحديداً فربما يجهلها الكثير من النقاد وحتى الباحثين بحكم كونها بيضة الديك الوحيدة في حياة صاحبها المعروف في الأوساط النقابية المصرفية أكثر من كونه روائياً محترفاً.
كانت (الحياة على ذمة الموت) هي المغامرة الأولى لجمال ناجي في اقتحام هذا العالم المعقد. عالم المال الذي لا يمكن الحديث عنه إلاَّ من داخله، وممن أطّلوا على أسراره وخفاياه، وتعرفوا عن كثب على مدى نفوذه السياسي، وقدرته على التأثير وربما التحكم بالقرار السياسي للدولة التي يمارس نشاطه المالي فيها.
هذه الحقيقة يمكن النظر إليها روائياً من موقعين: الموقع الأول وهو الذي ينطلق في الأصل من قصدّية هجائيةٍ مسبقةٍ، ولكنها تأتي من الخارج وقد لا تخلو من سذاجة؟ أما الموقع الثاني فيأتي من الداخل، وسيظل وصفياً ساذجاً وهو الآخر إن لم يكن الروائي قد ارتكز على موقف ثقافي عميق يؤهله لفهم ماهية الدولة، ودور رأس المال وتطلعاته التنموية الخاصة به، ونتائج وآثار تلك التطلعات المتوحشة والشرسة لرأس المال على الأفراد والجماعات داخل القطاع وحتى من هم في أقصى دوائر النسيج المجتمعي بعداً عن هذا المركز..(ليلة الريش) لا تشير إلى مكان. ولا تسمي مدينة معينة ولكن الزمن الداخلي فيها واضح. فثمة إشارات إلى حرب الخليج الثانية وتداعياتها، وإلى ما كانت تشكله من فرصة سانحة لرأس المال الاستثماري الذي يتابع حركة البورصة ويربطها بالتقلبات السياسية والانعطافات الدراماتيكية لسعر العملات والعقارات بأثر هذا الحدث الكبير أو ذاك. ولا يهمه كل ما يجري على المستوى الوطني أو القومي. فهو يدفع ضرائبه ـ كما يقول (الحاج) مدير عام البنك ـ وعلى الدولة أن تخدمه وتؤمن له المناخات التي تضمن تواصل نشاطه، وتحول دون السماح لكل ما من شأنه إرباك مسيرته الاستثمارية، بما في ذلك الوقوف في وجه النشاطات (التخريبية) للهيئة النقابية الممثلة لجيوش العاملين في بنك الحاج وفروعه في مختلف الأنحاء الداخلية والخارجية. فالحاج يقرض الحكومة رواتب الموظفين عندما تنهار الأوضاع الاقتصادية في البلاد..
في البداية يبدي استعداده لدعم الحكومة وتأمين رواتب موظفيها في الشهر الأول من الهزّة الاقتصادية التي شهدتها البلاد. ولكن بتاريخ هو الذي يحدّده. وفي الشهر الثاني يتأخر أكثر.. وهكذا حتى الشهر الرابع، حيث يسافر إلى الخارج وتتأخر رواتب موظفي الدولة.. إلى أن يزوره وزير المالية في منزلـه ويعاتبه. وهنا يشعر الحاج بان المعادلة قد باتت صحيحة. فالحكومة في خدمته في الأصل، وعليها أن ترضخ أمام قوته ونفوذه المالي!.
ورغم أن ناجي يهرب من أية إشارات تحدد الأبطال والأمكنة وأطراف الصراع الخفيّ أو المعلن، إلاَّ أنه بمقدور القارئ الأردني أن يحدد الشخوص، ويسمي مؤسساتهم المالية، ويشير إلى الوقائع المعروفة في حياة المجتمع الأردني، التي شهدها خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن المنصرم.. لكنها في مجموعها تشكل قواعد سلوكية لرأس المال الذي يملك قوة التحكّم، وصناعة القرار، وحتى إذلال أية جهة مخدوعة بما تملكه من سلطة وتعتقد بأنها هي التي تحكم وتتحكم. وهي في حقيقتها لا تشكل أكثر من هيئة إدارةٍ لدولة رأس المال، الذي بمقدوره أن يفرض بنفوذه السياسات الحقيقية، ليس فقط الاقتصادية، وإنما السياسية ذات المساس بالتوجهات الرئيسة للدولة..
جمال ناجي هنا يخرج من المهمة التقليدية للرواية الأردنية التي تناولت هذه المساحة. فلا تعود ثأريته الثقافية هي الشاغل. ولكنه هنا يتحدث عن قواعد يتقن الاقتصاديون السياسيون التنظير لها والحديث عن أسرارها. كما يتحدثون عن أخلاقيات مفترضة ومتخيلة بصدد هجاء تلك الشريحة الاقتصادية، لكن ناجي يتحدث في روايته عن تلك الشريحة من الداخل.. يتحدث عن ذئابٍ ضاريةٍ وحيتان لا تفكر في وطن أو مجتمع، فهي تملك قرون استشعار حساسة لتحديد مستقبل مصالحها في ضوء مراقبتها الحثيثة للتقلبات السياسية كما لتقلبات اللوحة المضيئة لأسعار البورصة والعملات المرتبطة بأندية رأس المال العالمي..
لا يتسع المجال للحديث أكثر عن هذا العمل الروائي الكبير، المكتوب بصبر وجهد ومثابرة، وبمهارات إبداعية يصعب الإسهاب فيها من خلال هذا المتسع، على أن هذه الرواية تستحق منا كل الاهتمام، وبما يليق بها كعمل إبداعي كبير يستوجب منا كل الحفاوة النقدية، وبما تنطوي عليه من تجاوز استثنائي يشكل مع (المدير العام) لزياد قاسم، و(الكومبرادور) لمؤيد العتيلي، و(الدخيل) لعدي مدانات وغيرها من الأعمال مقاربةً غاية في الأهمية من هذا العالم الذي لا يزال الحديث ـ إبداعياً ـ يتناوله من الخارج، وضمن المتاح والمتخيل، دون الدخول في جوهره الحقيقي، وتشخيصه وتوصيفه وتحديد ماهيته كما فعل جمال ناجي في(ليلة الريش).
****************************************
في روايته »ليلة الريش«…جمال ناجي يعري زيف القيم الرأسمالية
حين يسعى الروائي الى ترميم حالة الخراب فإنه يبحث عن أدواته بين الأنقاض ليخلق ما يشبه حالة الرفض لكل المعطيات التي تؤسس الى خواء لا نهائي والتي دفعته الى كتابة روايته.
فهو لم يتناول معول هدم ما تبقى من رماد بل يحاول ان يعجن هذا الرماد بعرقه ومداد قلمه وفكره ليكون لبنات يؤسس بها عالمه الطوباوي المليء بالانسانية مصارعا شخوصه حينا ومسالما حينا اخر سامحا لهم ان يتغلبوا عليه بين الحين والآخر ليهزم نهجهم أمام قرائه في ما يشبه لعبة الشطرنج مرمزا صورهم وبيئاتهم ومسبغا عليهم ألقا من نوع خاص كالذي يتألق به المخمليون في مجتمعاتنا المعاصرة معريا ما يخفونه من زيف سلوكي تحت أغطيتهم المخملية.
هكذا وبلعبة تشبه تحريك حجارة الشطرنج لا تخلو من الاشباع الثقافي ينقلنا الروائي جمال ناجي في روايته الأخيرة »ليلة الريش« عبر هوة متسعة بين جفاف عالم الارقام والمال الى ليلة واحدة هي عنوان روايته من ليال عديدة، متنقلا الى ما يريد أن يفصح عنه في عالمه الطوباوي عالم الوجدان الذي يؤنسن الحياة منذ صياح الديك حتى الاستفاقة المعتادة قبل انتهاء كل حلم جميلفي الليلة التي تليها، يحرك فيها شخوص روايته بطريقة تشعرك انك واحد من بينهم تحمل جينات الخير والشر بنفس المقدار وتميل الى الخيرين منهم وترفض سلبية الآخرين نثر فيها أمامنا صورا متتالية من الخراب المتنكر بأقنعة الخير المخملية التي لا تصيب فردا بذاته بل تعم المجتمع بأسره وتنخر فيه. ربما ساعده على ذلك انه عمل في هذا الوسط بالذات، اذ لا يستطيع احد ممن هم خارج هذا الوسط أن يلم بكل الدقائق والتفاصيل حتى يكاد يكون أحد أبطال هذه الرواية وأظنه كذلك، مما ساهم في انجاح هذا العمل الروائي المتخصص والمتميز.
هي ليلة واحدة من عشرات الليالي يتجلى الصراع العنقودي فيها بصور شتى ليس صراعا من أجل السلطة ولا على موروثات المدينة ومقتنيات الحياة. بل هو نموذج أو شريحة لصراع عنقودي بين أصحاب العمل والمال والأرقام فيما بينهم وصراع أصحاب العمل والعاملين معهم من جهة أخرى، ما ان يتفجر صراع بين طرفين حتى ينشب عنه صراع آخر أشد قسوة ووحشية في صمت المخمل وملمسه وهو على هدوء سماته التي يظهر عليها من سياق الرواية والاحداث صراع صغار الموظفين فيما بينهم من اجل الصعود الى المراكز المتقدمة، ولو على حساب الآخرين، صراع المدراء والادارات صراع بين هيئة أو نقابة تدافع عن حقوق المنتسبين اليها من العاملين الذين هم ايضا في صراع صامت فيما بينهم، بعضهم لا يريد للهيئة أن تكبر ويصبح لها سطوة والبعض الآخر يريدها أن تحقق له مطالبه دون ان يظهر في الصورة ويجازف بمكتسباته الحالية وفي نفس الوقت يلعب بين الجهتين ليستطيع قيادة الصراع الدائر بين كبار الموظفين من اجل الوصول (لكل مغامرة ثمنها يا عامر الحاوي….، ليرد عليه قائلا… ولكل مؤامرة رائحتها يا اسماعيل الحربان… ها أنت تفهمني… لو كنت مكانكم لتآمرت على الهيئة … هذا مفهوم ص240) هذا الحوار ببساطة يجعلنا نعيد طرح السؤال الايديولوجي الى اي مدى يؤدي تصوير المستغلين الى اطالة أمدهم والى أي مدى يمكن تصوير المستغلين المستغلين على انهم منحطون ثم السنا ملزمين بان نميز تلك الاشكال المزدرية والمنقصة من القدر وتلك التي تحلل القبح والعنف في موجة الرفض والإنكار الكاسحة باعتبارها فنا راديكاليا كما يسميه رايموند وليامز.
بأسلوب روائي شيق يشرح جمال ناجي شخوص روايته الكثر متغلغلا في نفسياتهم كل حسب طبيعة دوره وموقعه ووظيفته بما يجعلك تشعر انك متورطا مع هذه الشخصية أو تلك، تحبها، تكرهها، تتحيز لها أو ضدها.
ومع ان الموضوع الرئيس لليلة الريش يبحث في كومة المال والأعمال عن ظل الانسانية المفقود كمن يبحث عن إبرة في كومة قش الا ان اسلوب جمال ناجي في وضع هالة من التفصيلات حول الشخصية نفسها جعل لكل شخصية جانبا ولو بسيطا يضيء بالانسانية، الانسانية المفقودة بين الأب وابنه بسبب جمود الارقام التي جمدت الدم في العروق فاثارت الشكوك الدائمة بينهما ثم بين الرئيس ومرؤوسيه والأم وابنتها.
ثم كيف يتغلغل قطاع المال والاعمال في معرفة خبايا الحكومات وتعديل مسارات الكثير من قراراتها وقوانينها وسياساتها الداخلية والخارجية أحيانا.
(لم تكن الحروب تعني دمارا او تحريرا او خرابا بالنسبة اليه انما هي واحدة من مصادر الثراء اذا احسن استثمارها قبل حدوثها وبعد انها تعني تصرفا استباقيا ازاء الاحداث وغارات خاطفة على الاسهم والسندات والاستثمارات الاخرى).
ثمة رؤية مركبة يتغلغل قطاع المال والأعمال في معرفة خبايا الحكومات وتعديل مسارات الكثير من قراراتها وقوانينها وسياساتها الداخلية والخارجية أحيانا.
(لم تكن الحروب تعني دمارا أو تحريرا او خرابا بالنسبة اليه انما هي واحدة من مصادر الثراء اذا احسن استثمارها قبل حدوثها وبعد أنها تعني تصرفا استباقيا إزاء الأحداث وغارات خاطفة على الأسهم والسندات والاستثمارات الأخرى).
ثمة رؤية مركبة في الرواية لعملية اجتماعية متعددة القيم لا تعني بالضرورة الا تطورا فعليا للطليعة ثقافيا واقتصاديا واجتماعيا بل وسياسيا في مدى نشط لعامية الحياة اليومية في قطاع واحد هو قطاع المال، للقارىء ان يجتهد ويقيس عليه بقية القطاعات الخدمية بعد الحفاظ على مصادر الأمل والقوة. بالتأكيد ان عالم المال عند جمال ناجي ليس فاسدا بالمطلق ولكنه يسلط الضوء على هامش الفساد فيه الذي يؤوله صراع البقاء والتنامي في هذا الوسط من استغلال للآخرين وتزييف وقروض بدون ضمانات وشيكات بالحبر السري أو السائل المضغوط سريع الجفاف الذي ترش به الشيكات ليسهل تفتيتها تلقائيا والتلاعب ببذور الخير والحماس لدى المواطنين البسطاء المتبرعين لصالح المنكوبين في العراق وفلسطين وذر الرماد في عيونهم بارسال شحنات متواضعة مزينة بلافتات الدعاء والتمني بالنصر الحتمي والموت الأكيد للصهاينة والأمريكان رواية ليلة الريش ليس عملا ابداعيا تتجلى فيه اللغة الروائية الابداعية العالمية فحسب بل هي رواية الادانة وكشف المستور لقطاع من أهم القطاعات التي تتحكم بمصائر العباد في هذا القرن سواء للقائمين عليه او للمتقاتلين على تقسيم الغنائم التي جمعوها من الدول الخليجية لصالح الفقراء والمحتاجين ولا يكتشفون الا عند تنازعهم على اقتسام الحصص ص 237 نماذج الفساد الاداري والمالي التي يسوقها في سرده الروائي كثيرة يشكل كل نموذج لوحة مرادفة لشخصية صاحبها وهي جديرة بالتوقف عند دراستها واحالتها الى شخصياتها لنعرف كم من الغبن يلحق بعامتنا نتيجة ذلك بحيث يتجلى بوضوح كيف ان الشكل الأدبي تحدده منظومة من التوقعات الاجتماعية والايديولوجية الخاصة حيث ان العلاقات بين المشروع الادبي وتشكيله علاقة حاسمة لا تقبل التخبط دون دراية وفهم لجوانيات وتفصيلات دقائق ذلك العمل (المشروع) وهذا في اعتقادي نقطة لصالح نجاح العمل كما هو في ليلة الريش، فالتباطؤ القصدي الذي يلجأ اليه العاملون في انجاز أعمالهم ومعاملاتنا في حقيقته تخريب تخريب قصدي نذهب ضحيته في حين يكون المقصود المباشر الضغط على اداراتهم مثل افتعال تعطيل الحاسوب او اعادة الشيكات والمعاملات بحجة اختلاف في التوقيع او عدم وضوح الكتابة ثم دراية أخرى بالتشكيل النفسي للخصم في الرواية ليخرج من خلاله بتحريض القارىء واستقطابه في تحيز واضح بجانب الضعفاء حين يتعسف الأقوياء باجراءاتهم:
(كان يتساءل الحاج عما اذا كان الموظفون يقضون أوقاتهم في المراحيض أم وراء مكاتبهم وعما اذا كانوا يمسحون مؤخراتهم طوال ساعات الدوام ص241 مشيرا الى القيمة العالية للفاتورة التي يوقع عليها لصرف لفافات الورق الصحي الذي كان يتسرب في مؤخرة سياراتهم«.
ثمة فنية عالية في خلق حوار داخلي ساكن بين شخوص الرواية يحس به القارىء دون ان يقرأ سطوره مباشرة بل من خلال تفسيره لهذه الشخوص وكشف سماتها وإلقاء الضوء عليها وربطها بأيديولوجية موضوع الرواية الذي يسعى لتظهيره منذ الفصل الأول وحتى ليلة الريش الدامية التي أوصلت الصراع الى حافته وأدت بالتالي الى اختفاء الحاج أحد ابطال الرواية الرئيسيين وانتهاد عهده مع البنك ليبدأ عهد جديد لجيل آخر جيل الابناء الذي لم يكن احسن حالا من الذي سبقه وإنما اكثر مكرا ودهاءا واستغلالا لبيا دق الرواية التي كان الروائي جمال ناجي يتفنن في تحريكها ضمن مساحة تقع تحت سيطرته حريصا على تحطيم عامل الزمن الذي لم يكن يعنيه تراتبيته بل عمد الى بعثرته فيما يشبه لعبة اللوغو التي تتمخض في النهاية عن لوحة متكاملة تقول كل ما تريد، يشرك ويورط القارىء في حل ألغازها، ومع اننا كنا نلمس بعض المحطات الزمنية الناتئة التي لا يمكن للقارىء ان يغفل عنها والتي كانت تشكل مفاصل انتقالية في تاريخنا وفي الرواية بالذات مثل الاشارة اكثر من مرة الى حرب الخليج وارهاصاتها والحصار والانتفاضة الفلسطينية.
ربما ليس من قبيل الصدفة ان يكون عدد الشخصيات الاساسيين في هذه الرواية الشطرنجية يكاد يتساوى مع عدد حجارة رقعة الشطرنج فيما اذا اضفنا اليها شخصية الراوي وشخصية القارىء المتورط رغما عنه في انحيازه والتي استخدم فيها اسلوب اللعب بحجارة الشطرنج وتحريكها بذكاء ومهارة تقنية عالية لا تكاد تخلو من الذكاء فما ان تتقدم شخصية على الواجهة والى الصفوف الأولى حتى نلمس غرض تحركا الى ساحة الخصم في تكتيك لضرب مصلحة ما، لتتقدم بعده كل البيادقوتستفز ويتولد حوار وصراع خفي من جديد وتبدأ مرحلة الكش بحجارته الصغيرة (البيادق) مقابل حجارتهم من نوع الوزير والأحصنة والفيلة والقلاع ليجعل من عامر الحاوي هذا البيدق الكارزمي الموظف الصغير في قسم الاعتمادات ان يتحرك بهدوء الواثق من مساره وينضوي مع الآخرين في هيئة بيادق تدافع عن حقوقها بشراسة في مساحة غير مسموح فيها التراجع بل محكومة بالتقدم بحماية البيادق من كادر الرقعة الى ساحة الخصم من اجل الوصول الى منطقة الخصم واعتلاء ظهر الحصان لانقاذ الآخرين منطلقا من ايمانه بعدالة قضيته ومطالبه، يبقى أن أقول أن ليلة الريش عمل روائي مدروس وموثق محكم الخطط يحتفظ بقيمته الابداعية وهو خطوة يعتد بها في رصيد المشهد الابداعي الروائي الأردني.
*شاعر وكاتب اردني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : نقد | السمات:نقد
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























