مسيرة لا تقف …قصة

كتبهاصالح القاسم ، في 17 آذار 2009 الساعة: 07:57 ص

 

مسيرة لا تقف
 
       سَلَخت الجلد الأسري المنّعم بحنان الأمومة ، ودفء الأخوة عن بدنك ، ورميت أسمالك الممزقة المرنخة بعطر الحارات .
 
       ولَّيت وجهك الحرية ولَظى الشمس - ولهفة انتظار بنت الجيران تمرق من أمامك في شارع الثلاثين ، وصرت تجلس في غرفة قميئة غطت جدرانها المصلقات ، والعبارات ، وتناثرت على أرضيتها المبلطة أعقاب السجائر ، وبقع التنخمات ، يعبق فضاؤها برائحة الأقدام والفساء ، إنحشرت في عمارة إربدية كبيرة لا تدركها الأنظار .
 
       تلتقون في إجتماعات سرية ، ترتعشون ، تتناقشون ، تضحكون ، تخافون ، يسب بعضكم بعضاً ، تتشايعون ، تتشاجرون ، تضحكون … وتقهقهون .
 
       وفي صباح اليوم التالي ، وقبل أن تتوسط الشمس كبد السماء تمتشقون اليافطات القماشية المحبرة بالشعارات من كل اتجاه ، وتقتحمون شوارع الجامعة اللوزية ، وساحاتها الإسفلتية الناعمة تغطيها يافطاتكم كسحب الحمائم الملونة ، تشدون كل حمامة من قدميها الخشبيتين منفرجة عن صحائف محبّرة باللون الأحمر والأسود تحيون ذكرى النكبة ، وذكرى المناسبات الوطنية ، وسقوط الشهداء .
عاشت فلسطين عاشت حرة عربية
       تدقون قفل الحرية بعناد ، وتسيرون دون اكتراث .
 
       ينظرون اليكم كومة من حطب ، أو شعلة من غضب ، يدركون أنهم مادة هلامية سرعان ما تتيبس وتتحول الى قشرة هشة تذروها الرياح .
       - " من أنتم ؟ " أسأل
       أشدك من قميصك وأسال ، أهزك بعنف وأنا أصرخ في وجهك :
       - " ما لنا ، ولهذه الأمور ؟ "
       " ابتعد عنهم " .
       " ستسقطون " .
       " منكم وفيكم ستسقطون " .
 
       " سيزجون بكم في غياهب أماكن لا نعرفها ، لا تدركها الأنظار ، ولا يدّلـوننا عليها " .
       " ابتعد عنهم " .
       أقترب من أنفاسه أكثر ، أمسكه من كتفه ، ينظر اليّ وهو صامت مطأطئ الرأس بلا ملامح ، خجلاً مني أو احتراماً ، لا أدري ! لعله يحترمني ، لا يرد ، لا يريد اغضابي ، أو نرفزتي .
 
       أقول له : " دعك منهم ، دعهم وشأنهم ، إبتعد عنهم ؟ "
 
       قبل أن أغادره ، تكون فترة وقوفنا قد سلختنا عن المسيرة ، وابتعدت ، أعيد عليه الكلام ، وفحوى النظام ، أنبهه إلى ضرورة الحرص على جامعته ودروسه ، يظل على حالته ناظراً في الأرض ، صامتــاً لا يتململ ؛ أتركه أودعه ، لكن ليس قبل أن أعتذر منه : " أرجوك ، لا تزعل ، طريقتي فظة ، أنت تعرفني ، أنا قصدي مصلحتك ، خوفي عليك ، على مستقبلك " .
 
يبقى في مكانه جامداً لا يتحرك ، الأرض تحت قدمي تتحرك وتهتز لنبرة صوتي الراجية بجبن وحزن ، لكن هدوءه المقيت ينمنم جسدي ويثير أعصابي ، يحجز عني الكلمات ولا يشاركني الحديث ولو بكلمة نعم ، أو لا ، حتى رأسه لا يهزه راضياً أو ساخطاً . طريقة صمته تكون كالسياط تجلدني عقاباً ، أو احتقاراً . ولعله في داخله يكون يبصق في وجهي أو يوشك أن يصفعني بحذائه المهترئ ..
 
" هل سمعني ؟ هل يطيعني هذه المرة ؟ هل اقتنع بوجهة نظري وسوف يتركهم ؟ " .
 
       تودعني المسيرة ، وتنسلخ عني صاخبة بلا توقف ، فيما أظل أنا جامداً في مكاني لا أتحرك .
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصة قصيرة | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

7 تعليق على “مسيرة لا تقف …قصة”

  1. شكرك جدا على مرورك الكريم على مدونتي المتواضعه…
    تحياتي لك..

  2. لا شكر على ما يجب

  3. أستاذ صالح

    أسلوبك جميل جداً

    رغم قسوة واقعنا الذي نحياه

    إلا أنك كتبته بأسلوب رومانسي جميل

    نعيش تحت ظلم حكومات غاشمة

    يعاملونا وكأننا لسنا آدميين

    يعتقلون

    يسجنون

    يعذبون ..

    وضعت يدك على الجرح

    تخاذلنا هو المرض .

    أتمنى أن أقرأ لك الجديد .

    أخوك دائماً..نيجــر .

  4. الاستاذ احمد سعيد شكرا لمرورك على مدونتي واعجابك ببعض ما فيها

  5. لا بد لليل ان ينجلي؟

  6. عاشقةالورد شكرا لمرورك على مدونتي أدام الله الورد في حياتك

  7. أستاذي الحبيب ..

    أتمنى أن تكون في أحسن حال .

    مرور للسلام ،

    والأطمئنان .

    أخوك نيجــر .



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر