الملجأ قصة قصيرة

كتبهاصالح القاسم ، في 11 آذار 2009 الساعة: 13:28 م

 

الملجأ
لأيا بلأي ، وضعت طرف قدمك اليسرى على أول درجة رخامية نازلاً الملجأ بين زحمة جموع الناس النازلين كسيل هائج ، وهم يلهثون بهلع وخوف . ركضوا معاً بسرعة عندما عرفوا من الحاجة " فرحة " أن البيت الوحيد الذي به ملجأ في الحارة هو بيت أبي وائل رجل الأعمال . كانت أمك المضطربة – وقتها – هي التي سألتها بعد أن لمحتها بين الناس ، فالحاجة فرحة حين تركض ، تركض بطريقة تلفت النظر بسبب حجمها الضخم .
- "مصيبة ! أين نختبئ ؟ ولا ملجأ في الحارة…! ".
ركض أهل الحارة كلهم باتجاه واحد ، حتى أولئك الذين لا يعرفون أين يقع بيت أبي وائل ، ولما وصل أول المهلوعين المدخل المفضي إلى الملجأ دلف بسرعة إلى الداخل دون استئذان ، وتبعه الجميع باندفاع قوي بنفس الطريقة لا يدرون إلى أين يمضون ، ولا ما هو مصيرهم ، المهم الآن أن يجدوا مكاناً يلتجئـون إليه . حاول الرجل إيقافهم وسؤالهم إلى أين أنتم ذاهبون وماذا تريدون . لم يجبه أحد ، وساد المكان اللغط والإجلاب . كل يدفع الآخر يحاول سبق أخيه للحصول على مكان يحميه ويستأكم فيه براحة ترضي أنانيته .
لم يأبهوا لحرمة البيت ، أو صاحب الملجأ ، حتى كاد هذا الأخير أن يقع ، لأن امرأة سلهوبة صدمته بظهرها المكتنـز وهي ترجع إلى الخلف في محاولة لجر ابنها الصغير الذي يتعثر بخطواته ، وفي الوقت نفسه كانت تحتضن رضيعاً يكاد ينفجر من شدة البكاء . صاح صاحب الملجأ والدماء تطفح من وجهه غضباً :
- "ما هذا ؟ ألا يوجد للبيت حرمة !؟ أخرجوا من بيتي ".
- " يا رجل ، وحد الله . المدفعية والطائرات تقصف في الخارج . إلى أين تريدنا أن نذهب ؟…" علق أحد الرجال بصوت عال :
- " لا أعرف ، هذه مشكلتكم، لماذا لا تذهبون وتختبئون في ملاجئكم ؟."
وقفت امرأة قبالته تتمايل من وسطها وقالت بغنج واضح دون حياء أو خفر:
- " لو كان عندنا ملجأ لما جئنا لنسمع هذه الإهانات.. "
امتقـع وجه الرجل بالإحمرار، ثم قال بصوت مخنوق أبـح من شدة الغضب ودن أن تذهب عنه سيماء الجد :
- " الذي يريد أن يبقى يدفع فلوساً ، نعم فلوس . أنا غير مستعد لأتحمل كل هؤلاء الناس على حساب راحتي أنا وزوجي هكذا دون مقابل ."
- " وحد الله يا رجل ، الناس لبعضها " صاحت الحاجة فرحة .
- " لبعهضا ! ( ساخراً ) ، ولكن ليس على هذه الصورة . ألا ترين أن المكان أصبح لا يوجد فيه فسـحة حتى لموضع قدم واحدة . كيف سـنتـنفس؟. ألا تشمون ؟ لقد صار جو الملجأ عطناً لا يطاق بسبب رائحة الأجسام وفسوها ، وكذلك سجائر ! ( يضرب كفا بكف ) يا سلام ! هذا غير معقول… ثم ألا تستحون يا أو … ، ألا تسمعون العويل والصراخ ؟ من أجل الله أسكتوا الصغار " أه .. رأسي يتصدع يكاد ينفجر " .
- " هوّن عليك يا رجل ." ، قال آخر.
- " لا يمكن ، من يبق يدفع أجرة ".
- " الصباح رباح " ، صوت رجل ثالث.
بكاء أطفال حاد … ثرثرة نساء … جدل مع صاحب الملجأ … نقاشات حول الحرب … آراء الخونة .. قهقهة نساء … تهاليل الشيوخ … صوت المدافع في الخارج … صفارات الإنذار ما زالت تطلق عقيرتها … وشيش يصدر عن أحد الموجودين وهو يحاول ضبط مؤشر الراديو على إذاعة مونت كارلو … صوت تنخمات حادة مقززة أحياناً … شتائم … وحدوا الله … الناس لبعضها … أخرجوا من بيتـي … صوت انفجار كبير.
كأن الحشر علاماته هنا ، وجوه غريبة لا تعرف بعضها ، بعضهم من الحارات المجاورة..
بدأ الليل يرخي سدوله . من يعرف أين كنت أنت في تلك اللحظة ؟… أمك وأختك كانتـا تتابعان مسلسلاً مصرياً . بعض الناس كانوا قد ذهبوا للنوم مبكراً مثل العجزة كما تعرف ، الشوارع كانت لا تزال تزدحم بالسـابلة جيئـة وذهاباً… ليلـة من ليالي الصيف التي سبقها نهار مصهود من حرارة الشمس اللافحة ، بعضهم كانوا يتحلقون في مجموعات على الأرصفة ، أو الفرندات يتفرجون على المارة وهم يسحبون نفس نرجيلة بنشوة وشهوة بخاصة لدى مشاهدتهم لنهد عارم أو ساق فتاة لامع مصقول . حتى أولئك الأصحاب أو العائلات الذين كانوا يتسامرون معاً ، لم يخافوا فقط ، لكن الذعر والهلع أصابهم فجأة فولوا وجه الشوارع . انفضوا رافعين رؤوسهم بآذان مشرئبة يستجلون الأمر بغرابة ، تركوا كل شيء على محله وهرعوا يركضون دون اتجاه . لم يطفيء التلفزيون إلا بخيل أو حريص… أوراق الشدة … جمرات رؤوس النرجيلة ظلت تتراقص متوهجة ، كاسات الخمر، الشاي.. أو العصير … قراطيس البوظة ، أو صحونها، لم تفطن النساء الهزيلات حتى لحليب أطفالهن الناشف . الوحيد الذي تذكر شيئاً وأحضره معه هو أبوك ، أحضر الراديو الترانسيزتور ، كم كان حريصاً على سماع أخبار العالم ! .
- " غارة جوية … غارة .. غارة " انطلقت الأصوات تصيح وراء بعضها من جهات متفرقـة .
- " إلى أين نذهب يا امرأة ؟ ( سأل أبوك ) ألا تعرفين ملجأ في الحارة عند أحد الجيران ؟. "
- " ومن أين ؟ يا حسرة ! وهل الناس هذه الأيام تحسب حساب الملاجئ ؟ " أجابت أمك بعصبية محتـدة .
كاد الخناق أن يدب بين أمك وأبيك لولا مرور الحاجة فرحة – فجأة – تجر ترهلاتها بعناد وقسوة ، وملامح الغضب تكسو تجاعيد وجهها ، لمحتها أمك ، سألتها :
- " مصيبة … أين نختبئ ؟ ولا ملجأ في الحارة ؟!"
لملمتكم أمك الحاجة علياء – رحمها الله – ركضت أنت وإخوتك خلفها … دقائق حتى أصبحت تحشر نفسك بين الناس. تدفع الأجسام بصعوبة لتدس جسدك الصغير بين زهومة اللحم. بصعوبة بطيئة جداً تنزل الدرج الرخامي. لم تصدق أن الملجأ سيتسع لكل هؤلاء الناس المحتشدين باكتظـاظ.
- " إبعدوا ، إفسحوا الطريق ، دعو الولد يمرق ".
ورأيت أمك وهي تحشر نفسها ، تدفع أكتاف الرجال ذات اليمين وذات الشمال . تحتك بخلفياتهم ومقدماتهم . بعضهم رفع ذراعيه يفسح الطريق ، وعندما عبرت أمك احتك أعلى ظاهر نهـدها بباطن تلك الأذرع المرفوعة. رأيت … على غير ما اعتدت. صرخت أمك :
( عيب ) عندما دعكهما رجل بكوعة بقسوة . كنت تنظر كالأبله.
صوت القذائف ما زال أزيزه يطن في الآذان من وقت لآخر ، وآخرها تلك التي هزت الجدران وصفقت الشبابيك . حسبت أن السقف يكاد يهوي على الرؤوس . وضعت أمك الحاجة علياء – رحمها الله – يدها تضغط على يافوخك تأمرك بالجلوس والإنبطاح على الأرض . حشرت نفسك بين الأرجل الممددة ، والأقفيـة المكورة ، لم تكن خائفاً . تشاغلت نظارتك بما ارتفع من جسد المرأة النائمة على جنبها بالقرب منك . أدمنت النظر إلى ما ظهر من بياض ظهرها حتى حسبتك سترفع يدك وتمررها ، كان ارتفاع قفاها وهي نائمة على جانبها أعلى من طولك وأنت مقرفص .
بدأ السكون يتسلسل إلى المكان رويداً ، رويداً. نام الأطفال ، ثم تبعهم النساء ، ولم يظل أحد في الملجأ صاحياً إلا أنت وأبوك بجهاز الراديو ، وبعض الرجال ، إلى جانب صاحب الملجأ الذي ما يزال ينظر بغضاضة وألم ، غير راض عما هو فيه .
مرت ساعات قبل أن ينبس أحد بشفة . الوقت يمر بترقب وثقل مملين ولعل أحدهم أراد تزجية ما تبقى من الليل فقال :
- " والله يا أخي كان لازم حسبتوا حساب هذا اليوم وبنيتم ملاجئ "
- " الحق معك . لكن من كان يعلم أن الحرب ستقوم مرة أخرى بهذه السرعة ؟ ".
- " الناس بطرت . لم يعد يهمها هذا الأمر . انشغلوا ببناء العمارات والدور المزركشة بالرخام الإيطالي والبلاط الصيني.. يا عمي الناس نسيت حتى فلسطين " عقَّب أحد الموجودين :
- " يا ناس ، هل نحن هنا لنسمع محاضرات ونصائح ، دعوا هذه الليلة تعدّي على خير " . صاح رجل بنرفزة واضحة .
- "خير..! ( بسخرية ) وهل الذي نحن فيه يسمى خيراً ؟."
- " والله يا إخوان كان عندي ملجأ ولكني حولته إلى حاووز ماء . أنتم عارفون المياه ومشكلتها في البلد ."
عقب رجل لأول مرة يشارك الحديث ، كان يجلس في ركن الملجأ المواجه للمدخل ، بالقرب من مجموعة كراتين وصناديق لا يعرف أحد ما بها بعد :
- " وأنا والله يا جماعة كان عندي تسوية ، ولكن غلطت وأجرتها لتاجر. والله لو كنت أعرف أنه سيحصل لي مثل الذي يحصل لي الآن لو دفع مليوناً ما قبلت ، ولكن ماذا تقول ؟ نصيب ! "
تخلل هذه النقاشات المتجادلة حيناً ، والمعاتبة أو النادمة حيناً آخر صوت إمرأة أنت أنيناً مفجعاً يقطع القلب ، وهي تحاول إسكات طفلها الذي استيقظ فجأة وبدأ يصرخ بحدة مزقت الجدران . حاول رجل أن يتقدم منها ، يسألها ما بها ، لكن الأجساد الملقحة هنا وهناك على الأرض – بلا انتظام – منعته الوصول ، فاكتفى بأن سألها من مكانه .
- " … " لم تستجب المرأة للسؤال وظلّت تبكي بحشرجة واضحة .
- "حلفتك بالله لماذا تبكين ؟" سأل الرجل بإلحاح.
ظلت المرأة على وضعها مقفيـة له ، وظهرها يهتز بتقـطع منتظم ، تنشـج بحزن يحرك المشاعر، بعد مجاهدة استطاعت أن تقول بلهجة فيها انقباض :
- " من العصر لم يذق الولد الحليب ، وصدري ناشف. مازلت على لقمة الصبح " فقدت السيطرة على نفسها ، وقالت بصوت متقطع وهي تبكي" : زو … جي … طو .. طو .. ل الو .. الوقـ .. قت سكران … عاطل عن العمل … ولا … ولا يرجـ .. يرجـ جع إلا … بعد منتصف الليل . "
- " أبو وائل ، يا حاج ، هل لديك أي طعام لهذه المسكينة وابنها ؟ " سأل الرجل أبا وائل بتودد وتوسل يكاد أن يقطع القلب .
كان أبو وائل ذو اللحية المريبة ، قد ظهر اليوم مرعباً مخيفاً ومن يراه كان يحسبه سجاناً ، ووجهه جدير بأن يوصف باللـؤم ، لا يأبه لأي مهانة أو احتقار. فقد نظر إلى السائل بإزدراء وهو يهزّ رأسه دون أن يجيب.
- " ألا يوجـد بقلبك رحمة ؟! أم عصام ( نادى الرجل على زوجه التي كانت فيما يبدو نائمة ) أمعك حليب ؟ خذي هذا الطفل أرضعيه لعله يسكت ".
تململت بعض النسوة المرضعات . كل منهن تسأل باستغراب وكأنهن تذكرن شيئاً.
- "حليب !"
- "حليب !"
-"حليب !"
- " ياه … نسيت الحليب في البيت ( أجابت أم عصام وهي تتثاءب ) لكنها طلبت من المرأة أن تناولها الطفل لترضعه من صدرها .
وأنت ألم تحذف إليها علبة البسكوت – التي كانت بحوزتك – تدعوها أن تأكل ، وأنك لست جائعاً ولا حاجة لك بها . كنت حريصاً ولا تحب من أحد أن يأخذ منك أي شيء . نمت وعلبة البسكويت التي اشتراها لك أبوك أثناء النهار – في جيبك تخفيها عن أخيك فهد الشرة . اعتدلت في جلستك لسماعك صراخ الطفل الحاد ، والحديث الذي جرى بين الرجل والمرأة وصاحب البيت . تحركت أحاسيس العطف فيك حينها .
تناولت المرأة علبة البسكوت مضطرة . امتقع وجه أبي وائل وكلله السواد. في ما أخذت المرأة تقرض وهي تجفف دموعها بطرف منديلها . كان فضاء الملجأ قد ازداد الظلام فيه ، وانطفأت معظم السجائر ، ونام أصحابها . ارتفع صوت شخير البعض لصعوبة تنفس الهواء المشبع بدخان السجائر ورائحة الأقدام والأمعاء .
لم يكن القمر مضيئاً كما يجب على الرغم من إكتمال استدارته . الوجوه المتيقظة ترقب بعضها ، أبوك ما يزال يحاول عبثـاً إلتقاط محطة من الراديو ليسمع آخر الأنباء.. يبدو أن كل المحطات كانت – وقتذاك - قد قالت : ( تصبحون على خير ) . وضع أبوك الراديو في حضنه ماداً ساقيه قليلاً إلى الأمام في محاولة للنوم .
أدرت جسدك لتضع ظهرك على الأرض محل بطنك ، ورحت تديـم النظر فيمن حولك حيناً ، وفي حيطان الملجأ حيناً آخر ، تتابع تراقص الظلال المنعكسة من شعلات الشموع الخافتة . نظرت باتجاه السقف . قدرت أن ارتفاعه لا يزيد عن تسعة أقدام ، وطوله سبع خطوات ، وعرضه مناسباً لطوله . يقوم في طرفه درج مبلط بالرخام الأسود ، ويبعد عن رصيف الشارع مترين أو أكثر. ولا أعتقد أنك لاحظت الرخام الأبيض المبلط به حواف الفيلا دار ما يدور أثناء ولوجك البطيء بسبب شدة الازدحام على باب الملجأ .
أينما جالت نظراتك المسترقة اصطدمت بكتل بشرية وسيقان النسوة المبطوحة على ظهورها . وبخاصة تلك السيقان التي ترقص بتوتر. والمشابهة لضلعي مثلت أحدهما يخرج من …، والآخر من القدم المرمية مشطها على الأرض ، يلتقيان عند الركبة بزاوية نصف قائمة ، بحثت عن الوجوه الناعمة التي لم تعبث بها أيد بعد . نسيت أنك وسط عالم مزدحم ، وأن أحدهم قد يكشف أمرك . كنت في شهوة غافلة لا تدعك تفكر إن كان سلوكك الطفولي هذا عادياً أم لا . لم تفق من خرسك الصامت إلا عندما سمعت شيئاً هائلاً يقع وينكسر.
- " ماما … ماما جوعان ، أريد أن آكل ".
- " طيب يا ولد ، طيب".
لم تنتبه إلى ذلك الركن البعيد عند بوابة الملجأ ، كراتين وصناديق كثيرة ، لعلها كانت بضاعة مهربة . دخان مثلاً ، أو أرز، أطقم زجاجية ؟ ربما كان أبو وائل يخبئ قناني ويسكي مهربة ، من يدري ؟
- " بابا … بابا …"
- " ماما … ماما …"
استيقظ الأطفال مفزوعين على صوت الكرتونة التي وقعت وانكسرت .
- " الله يعينك يا أم وائل على هذه الليلة ".
- " الناس لبعضها…"
استغرب الصاحون لجواب أم وائل ، وأنهم اكتشفوا أنها على خلاف زوجها . صوت القذائف وأزيز الصواريخ ما يزال يسمع من وقت لآخر.
- "حاسب يا ولد . أترك الذي بيدك ".
قفز أبو وائل مذعوراً يحاول منع الولد زحزحة كرتونة من بين أغراضه . لكن الأجساد النائمة حالت دون وصوله الولد الذي وقع مكفياً على وجهه فوق الكرتونة من شدة الخوف. ولولا رحمة الله لتمزق وجهه إرباً من الزجاج الذي تطاير.
- " الله يلعنك ويلعن الذين خلفوك ."
- "لا حول ولا قوة إلا بالله" يبدو أنه أبو الولد .
- " أولاد أمراء يا عمي ( أحدهم ساخراً ) والله البعض لو رأى ابنه يبول في حلق الجيران لما حرك ساكناً ".
- "بعدين … ألا تسكتون هذا الطفل … أريد أن أنام "
- نسمع جعجعة ولا نرى طحنا " صوت رجل بنبرة باردة جداً.
لم يزل صوت القذائف يسمع ، وبعد كل انفجار يرين على المكان صمت مشوب بالرهبة لا تقطعه إلا التنهدات المحتدة من بعض الصاحين ، وأنت وصاحب البيت وأبوك الذي ظل يتململ لا يدري كيف يقتـل ما تبقى من الليل ، حتى كأنه نفد صبره وقال:
- "اللوم لا يقع على أحد . لكن البلديات التي صار همها الحصول على الضرائب ، فهي لا تمنح أحداً رخصة بناء إلا إذا دفع رسوم الكراج أولاً … يا أخي يمكن أنا ما عندي سيارة " قال الجملة الأخيرة بعصبية وسخرية .
- " ألم نغلق هذه الإسطوانة ! دعوني أنام على الأقل فقط "… أبو وائل.
- "ولكن…؟"
- "أنا لا أعرف يا أستاذ ( بلهجة ساخرة ) لماذا تعيد وتزيد في الموضوع " . قال ذلك أبو وائل وكأنه يلح عليه الخلود للنوم للتفرغ لنفسه في أمر ما.
استجاب أبوك صاغراً لمطلبه ، أغمض عينيه – مرة أخرى - يحاول النوم . كانت الغارة قد انجابت تقريباً . ولم يعد يسمع صوت القذائف والانفجارات . وتسلل إلى المكان سكون الليل وهدأته ، وأخذ الهزيع الأخير منه يمر بهدوء ودعة . وكأن شيئاً لم يكن ، ولم تعد هناك أي عين مفتحة .
أسند أبو وائل يده اليمنى على الأرض ، ورجع بظهره قليلاً إلى الوراء ، ملصقاً جسده بظهر زوجه – المرأة التي نامت على جانبها بالقرب منك – بحذر وخوف حتى لا يوقظ أحداً . كنت مستيقظاً أيها الخبيث الصغير ، تظاهرت بالنوم عندما شعرت بحرارة ظهرها المكتنز وهي تتململ لتفسح مكاناً رحباً لزوجها. مط أبو وائل رقبته ونظر ليتأكد أن الذي خلفها في النوم السابع . لم تحرك ساكناً . بعد قليل جاءك الصوت… وخافت للغاية. فتحت عينيك تسترق النظر. شاهدت … بياض مخلوط بالإحمرار… وجف قلبك يضطرب بدقات سريعة . لأول مرة تسمع … حسبتها مريضة أدمنت النظر، سمعت…، لم تعرف سر…، ولا سبب…، لأول مرة شعرت … شاهدت يداً تطوق… وتسقط في الجهة الأخرى بعد … ، ويسكت للأبد في نوم عميق .
غشيك النعاس وأنت تفكر بالإجابة علي هذه الأسئلة ، لم تستيقظ إلا في الصباح على جلبة الأصوات ، والأقدام ، وبكاء الأطفال الحاد . كلهم ازدحموا عند الباب يحاولون الخروج أحدهم قبل الآخر. نهضت لتلحق بأمك التي تجرك خلفها بعنف ولهفة لمعرفة ماذا حدث للحارة نتيجة القصف .
- " بسرعة ، أركض ".
دعست على قدم أحدهم… دعس أحدهم على قدمك … دست بحركة شـقية طرف ثوب الحاجة فرحة … لكزت طفلة … جحرك طفل … وأخيراً وصلت الباب … كان النهار قد كلل أعالي الأشجار بخيوط بيضاء ووضح للجميع .
- " ما هذه الحفرة الكبيرة ؟ " سألوا .
- "وماذا تكون ( بسخرية واستهزاء ) بئر بترول ! صاروخ – طبعاً – لم ينفجر " أجاب صاحب الملجأ .
تابع أهل الحارة سيرهم كل باتجاه بيته مولين ظهورهم للملجأ وصاحبه دون استئذان أيضاً ، أو حتى كلمة شكر. سمعوا صوت طفل صغير يصيح بصوت مرتفع وكأنه اكتشف شيئاً مهماً :
-         " ماما … ماما … هل سمعت الصوت القوي الذي هز جدران الملجأ وصفق الشبابيك وكاد أن يقع على الرؤوس ؟
-                           …… ( لم تلتفت إليه الأم )
-                           هل هو الذي حفر هذه الحفرة الكبيرة ؟ تابعت السؤال
-                           ………… ( لم تنبس أمك ببنت شفة ) .
-                           لكن لماذا لم ينفجر؟.
تابعت امك سيرها دون اكتراث . الا انك أحكمت قبضتك الصغيرة بتلابيبها واستمررت تسألتها بغضب :
لماذا لم ينفجر ؟
لماذا لم ينفجر ؟
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصة قصيرة | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر