من قصص المجموعة الجديدة

كتبهاصالح القاسم ، في 20 تشرين الأول 2008 الساعة: 05:22 ص

المعلمة والنشرة الجوية

        هزّ رأسه بسخرية حزينة، وضيق وهو يجيب :

        منذ متى، وأنا أهتم بمثل هذه الأمور؟

        امتعضت لجوابه ، ولوت جسدها الأعجف المنهك بطريقة تشير إلى أنها قد غضبت ، ثم سارت خطوة ، أو خطوتين ، على أرض الغرفة الاسمنتية ، حتى جلست على  فرشة إسفنجية بالية ، مرمية قبالة التلفاز المرفوع على صندوق خشبي قديم تنتظر أن يهلّ مسلسل السهرة العربي .

        كان شكري – لحظتذاك – مفترشاً الأرض بمقعدته، متربعاً ، وهو يكوي بنطلوناً فوق بطانية وبرة طواها طيات خصيصاً لهذه الغاية .

        سألته زوجه: هل تريد مساعدة ؟ .

        أجاب: لا يكفيك شغل البيت . وتابع عمله .

        لم تعلق وفاء بشيء ، ولم تضف أية كلمة . وبقي هو في مكانه يسوى أطراف البنطلون على بعضها، مسترشداً بعلامات الكي الباهتة السابقة، ثم يمرر المكوى بقرف وتثاقل مضن ما أشدّ كرهي لهذا العمل ! أحب عمل أي شيء في العالم إلا كيّ الملابس .

        عندما يبدأ شكري بكي الملابس تنحبس جلدة وجهه على غلالة حزن عميقة ، ويشعر بحرارة أنفاسه تكاد تلفحه من شدة الغيظ المكبوت في جوفه ، تجول في ذهنه أفكار كثيرة ، ويغمغم بلعنات متعددة ، وأحياناً يتوجه إلى زوجه ويقول بصوت مرتفع :

        آه لو أستطيع إرسال هذه الملابس إلى مكوجي، وأرتاح من هذا العناء ! .

        تكون وفاء ما تزال عابسة ، متجهمة ، تتابع تبادل الصور على شاشة التلفاز، وهي تزم شفتيها . يرد عليها :

        - كم أغبطك على هذه العادة! لا يهمك من الدنيا إلا سماع النشرة الجوية ، ثم تزجيه ما يتبقى من وقتك في مشاهدة مسلسل عربي تافه .

- أنا لا يهمني ماذا يحدث في العالم ، ليذهب الجميع إلى الجحيم…

- وأنا لا أعرف ما الذي يعجبك في هذه المسلسلات؟ إنها خاوية من أي معنى! يسرقون أوقات الناس دونما فائدة ، حتى أمي التي لا تقرأ ، ولا تكتب تقول عنها : مثل ( خراريف العجايز ) .

        لا تنفعل بكلامه ، أو تتأثر ، عادتها هذه لم تغيرها . وعندما يحين المسلسل العربي تذوي فيه روحها وتذوب : تندمج في أحداثه ، وتغيب . تصير كأنها غير موجودة معه في نفس الغرفة ، وإذا حاول اختراق عالمها هذا : تشير بيدها وهي تبرطم : بعدين، بعدين.. لا تنكّد عليّ ، أريد رؤية المسلسل.. . أحياناً تدعوه لمشاركتها . يرفض ساخراً ككل مرة . بعض الأحايين ينفد صبره ، يصرخ في جسدها النحيل المائل أمامه : يا بنت الناس!، والله المسلسل تافه ، قومي غيري إلى محطة أخرى .. لكنها ترفض بعناد وبلادة تعوّد عليهما. تخاطبه معيّرة : لن أرد عليك.. لأنك لا تسمع لي النشرة الجوية ، أنا طول اليوم مشغولة بأعمال البيت ، وأنت تجلس هنا مستريحاً ، لا يهمك إلا الأخبار… يا أخي ألا تشبع أخباراً ؟ كل شيء إنتهى ، ماذا تنتظر ؟ .

        حدة جوابها لا توغر صدره بشيء ، ولا يزعل منها . يقول لها :

- وأنت ماذا تستفيدين من النشرة الجوية ؟ أنا أعرف أن النشرة الجوية قد تهم البحارة ، أو الصيادين ، أو المزارعين مثلاً.. سائقي الشاحنات.. الطيارين .. الأرصاد الجوية نفسها.. وإن كان لها أهمية ولا بد!؟ فيجب أن تهم المتسولين الذين تتقيؤهم الشوارع من مكان إلى آخر دون أن يقيهم شيء، هل أنت متسولة ؟!.

        تقول له أجوبة كثيرة ، تحاول إقناعه : تدّعي أن النشرة الجوية تساعدها على اختيار الملابس المناسبة في اليوم التالي، تضرب له أمثلة كثيرة : فهي في اليوم الفلاني قبل سنة ، أو أكثر، كادت أن تجمد من البرد لأنها كانت تلبس ملابس خفيفة ، وأنها لو سمعت النشرة الجوية لما حصل لها ذلك . وأنها ذات مرة كانت تلبس صندلاً لا يغطي من لحم قدميها إلا خطوطاً رفيعة ، وعندما أمطرت السماء بغزارة تبلل ساقاها ، وكادت تموت من الصقعة . وفي يوم اعتقـدت أن الجو سـيكون بارداً فلبست المعطف الأسود الثقيــل الذي اشترتـه من ( البالة )  مؤخراً لكنها كادت أن تختنق من شدة الحر وتموت ؛ فاضطرت إلى حمل المعطف بيدها بقية النهار حتى وصلت البيت .

        في العادة يرد عليها كالتالي :

- دعك من هذه الإرهاصات.. أنا لا أؤمن بتنبؤاتهم الجوية، ولا حتى بنشرة الأخبار. أنت أيضاً غير صادقة .. تشنف آذانها تهم بلطمة بكلمة قارحة . يتابع :

- يومياً تستمعين إلى النشرة الجوية ، لكن ما يقولونه لا يتفق مع الطقس في اليوم التالي ، وأنت إن لم تسمعيها بعد نهاية نشرة أخبار التاسعة تنتظرين سماعها بعد نهاية نشرة أخبار الثانية عشر.. أنت كسولة: لا تصبرين حتى انتهاء نشرة الأخبــار لكي تسمعي نشرتك الجوية ، لا يعجبك حديثهم في الأخبار عن مصائب العالم العربي ، فتقومين تشغلين نفسك بأي شيء ريثما تنتهي الأخبار ، لكنك تنسين ، ولا تتذكرين النشرة الجوية إلا بعد أن ينتهي كل شيء ، فتأتين إلي مسرعة ، تســألين بلهفة : ماذا قالوا عن الطقس غداً ؟ ما ذنبي أنا ؟ ألف مرة قلت لك : أنني أكره سماع النشرة الجوية. تمتعضين من جوابي، ثم تلوين جسدك ، وتزمين شفتيك غضباً ، وكأنك لا تطيقين رؤية وجهي…

- ولماذا تلومينني؟ أنت لا تقتنعــين بكلامي ! ألف مرة قلت لك : النشرة الجوية غير صحيحة ، وأنها مكررة ومعادة ، لكن لا فائدة. كم مرة قالوا: أن السماء ستمطر غداً ؟ لكنها لم تمطر، حتى أن الغيوم تهرب من السماء أياماً وأسابيع . مرة قالوا : أنه سيطرأ ارتفاع طفيف على درجة الحرارة ؛ وفوق المعـدل السنوي، لكن اليـوم التالي هطلت فيه الأمطار والثلوج. أذكر – يومها – الرعود أيضاً التي هزّت الجدران وكادت أن تصم الآذان . ألا تتذكرين ذلك اليوم ؟ الذي أطل فيه المذيع عبر الشاشة وهو يضحك بغرور ويقول: أن الدنيا غداً ستمطر، ومن يقل غير ذلك فهو حمار بن حمار ! الحمار بن الحمار يحسب نفسه أبا العريف ، أو أنه يجلب المطر من دار أبيه .

        أكثر من مرة سألها :

- أحقاً تخافين من الطقس إلى هذا الحد ؟ بإمكانك أن تحسبي كل شيء : أن تأخذي المعطف معك باستمرار، فإذا كان الجو بارداً فإنك لن تخسري شيئاً ، وتستطيعين التدفؤ به . وإن لم يكن كذلك فليعنك الله على حمله بقية النهار…

        يقترب منها ونبرة صوته صارت أكثر رقة:

- وأنا أعرفك كسولة ..

        تنهض من مكانها تهم بضربه بطريقة المزاح ، فيستدرك كلامه :

- لا ، لا أقصد ذلك ؛ معك حق . نسيت أنك تعتلين معك حملاً ثقيلاً : طفلنا الرضيع ، والشنطة المحشوة بأوراق الطلاب ، والطالبات.. الله يلعنها من عيشة.. طول الشهر نركض من أجل ملاليم…

- أتعرفين يا وفاء ؟ أنا أشفق عليك فعلاً، صحيح أن وضعي لا يختلف عنك بشيء . لكن أنا رجل كما يقولون ! صحيح أن مدرستي في جرش ، لكن المواصلات إليها سهلة ! أما أنت ؟ أعانك الله…

- ترتحلين مسافات طويلة جداً… تبدلين سيارة بأخرى حتى تصلي إلى مدرستك. تنتظرين باص المخيم الساعة السادسة قبل أن ينبلج ضوء النهار ؛ ليقلك إلى السوق… تنزلين في شارع الهاشمي، ثم تمشين حتى سرفيس مجمع عمان، وهناك .. تتكورين بكمد وسط الرياح القارة مثل الثلج … تتوحوحين وسط العيون الجائعة، تنتظرين أن يهل باص المفرق الذي ما أن يراه الركاب حتى يهرعوا إليه كل منهم يريد حجز مقعد قبل الآخر، قبل أن يطفح بالبشر…

- وأخيراً، تركبين لا أدري ماذا يحصل معك أثناء الطريق؟ لكنك قلت لي يوماً : أنك عندما تصلين المفرق تنتظرين نصف ساعة أو أكثر حتى يصل باص قرية ( الدفيانة في المفرق ) الوحيد ، تخط عجلاته أخاديد عميقة في الطريق الطويلة غير المعبدة ؛ تصلين إلى المدرسة الوحيدة أيضاً ، تهبطين على أرض ( الدفيانة ) ، تتنهدين الصعداء ، ثم تهمين بدخول المدرسة ، تغرزين أقدامك في طينها تريدين ولوج صفك مستعجلة.. توقفك المديرة المتكرشة القصيرة ، تسأل عن سبب تأخرك . لا تنتظر الجواب. تصرخ على ( آذنه ) المدرسة ، تأمرها بإحضار ورقة وقلم : تكيل لك الأسئلة، تشرع باستجوابك كأنك مجرمة ، أقضت مضجع العدالة سنوات . وهاهي الآن، قد نجحت بالإمساك بك . تملأ الورقة بمقال طويل تطالب المسؤولين في نهايته أن يحسموا من راتبك يوماً أو أكثر، تدنو من أنفاسك : تأمرك بتوقيع المحضر، وهي تقهقه جذلــة ، تنفرج أساريرها وهي تطوي الورقة في جيبها كما تحشر الأشياء الأخرى ، تأمرك بالإنصراف إلى صفك ، وهي لم تعرف بعد سبب تأخرك : كم باصاً ركبت ؟ كم قرشاً، أو ديناراً دفعت ؟ كيف استطعت الوصول إليها رغم أزمة المواصلات، وليس في القرية إلا باص وحيد على الخط . لا تكترث للدنيا إن كانت صحواً ، أو مطراً . لا تسألك إن واجهت مضايقات من بعض الذكور الذين يظلون يحملقون في جسد الأنثى يغسلونها بنظراتهم من فوق لتحت ، ومن تحت لفوق طول الطريق… تشكمك أيضاً ، تقول لك : لا يوجد عندي تنشيف ملابس. تنشيف الملابس في دار أبيك.. هنا مدرسة، عمل فقط .. أنا لا يوجد عندي محسوبية أو وساطة .

-   تبلعين غضبك، وبؤسك، آلالام تتجمع على شفتيك وتتوقف . تسمعين رقصة شفاهك وإصطكاك أسنانك… تشعرين بسكاكين برد ثوبك المبلول وأنت صامتة . حركتك هزة تزلزل جبروتها وتسلطها : تحرقين كيفها ، تتوقع منك أن تثوري وتغضبي . لكن تقنعين بالصمت ، تصعرين بجسدك وتغادرينها ، تلوذين بأحد الصفوف . تصيح وراءك تعوي :

        هذا واجب …. هذه مسؤولية .

- طيفك الغاضب يستكين، لا تنبسي بحرف . تعرفين أنهم يحسمون من راتبك شهريــاً بسببها ، لكنك لا تنفعلين .

        تنظر وفاء إلى زوجها بحرقة وأسى ، وتكاد الدموع تطفر من عينيها… يفهم شكري ماذا تعني هذه النظرات ، يكتم غيظه ويلوذ هو الآخر بالصمت ، يخاف أن ترد عليه بكلام تذكره بحالته هو الآخر .

        بعد لحظة ، يتفوه فمها بالعبارة :

- أنت فقط ، اسمع لي النشرة الجوية ، وما عليك بالباقي .

        …… صمت ..

        …… تلفاز

        …… صمت ..

        …… التلفاز

        …… صمت ..

صور مشاهد المسلسل التي تتبدل على الشاشة لا تكسر الصمت ، لولا ظهور المذيعة التي تقول : نتابع المسلسل العربي بعد موجز لأهم الأنباء .

يقفز شكري من مكانه ينادي – موجهاً الصوت إالى المطبخ :  

        - وفاء ، وفاء تعالي بسرعة ، قبل أن تفوتك النشرة الجوية .

        يأتيه صوت وفاء من المطبخ ضعيفاً متعباً :

        - عندما يطلّ المذيع الجوي، نبهني .

        ينهض شكري من على أرض الغرفة الإسمنتية. يحرك جسده المتيبس من طول الجلوس، يمطه وهو يتثاءب، يطوي البنطلون ويضعه فوق جهاز التلفاز، ثم يمد سبابته إلى الزر الخاص بإطفائه، يضغط عليه ، ثم يجرجر ما تبقى من طيفه إلى جانب زوجه التي كانت قد سبقته إلى النوم وبدأ شخيرها يعلو.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر